اشتعال فيروس كورونا..... وانطفاء المواطنة - بقلم الباحثة القائدة ضحى معاري

اشتعال فيروس كورونا..... وانطفاء المواطنة - بقلم الباحثة القائدة ضحى معاري

اشتعال فيروس كورونا..... وانطفاء المواطنة

بقم الباحثة القائدة ضحى معاري

لا يخفى على كبير أو صغير من قريب أو من بعيد حجم الإرباك الذي تسببت به أزمة فيروس كورونا على كافة الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، وكذلك على الصعيد الصحي بمستوييه الجسدي والنفسي.

 

فهرعت كافة وزارات وحكومات الدول ، إلى تبني سياسات أو ما هو أقرب  منها إلى إجراءات وخطوات غير ثابتة التنفيذ أو الإقرار، ولكنها كانت محددة الهدف لحماية الرأس المال البشري المتعلم المتنور والذي هو نفسه الآن يتحمل وزر هذا الفيروس وعاجزا عن لجمه. و في ظل كل المصائد والتربصات الطبية والوقائية للفيروس إلا أنه دائما ما كان ينجح في تفكيك أواصر منعتها و رصانتها، بل وإلى أكثر من ذلك فقد  كان كل مرة  يتطور ويطور من ذاته ومن طفراته بكل شراسة ويعيث فسادا بالكوكب وسكانه.

 

وإن كنا لا نريد أن ندخل في معادلة تفاضلية او مقارنة الأكبر والأصغر مجالا وفسحة لانتقال الفيروس ، أو الأكثر والأقل فئة تأذيّاُ أو انتفاعا ، ولا حتى ما بين  الأقوى والاضعف من بين الدول وأقدرها على مجابهة  الأزمة، إلا أننا لا نلغي حاجتنا الماسة لمعادلة تكاملية موزونة الأطراف تحقق عدالة ومساواة مجتمعية، تكفل لكل ذي حق حقه ، ويلتزم كل صاحب مسؤولية وكل صانع قرار بما يقع على عاتقه من مسؤوليات بأن يقوم بواجبه المضاعف من ناحيته تجاه مؤسساته وأجهزته،  ليست تلك الأبنية والمكاتب والعقارات والمقدرات ، وإنما بتنا نعد الآن ونحصي ما بداخلها من أنفاس وأرواح أصبحت أهشّ وأوهن من ورقة خريف لا تحتاج أكثر من نسمة جافة تهوي بها بلا رحمة .

ولكن إن أردنا أن نكون واقعيين فجلد الذات حاجة ملحة أحيانا للاستيقاظ من براثن الاستسلام والاعتلال ورمي مسؤوليتنا في حماية حقنا بالحياة (او النجاة من الموت)  على مرؤوسينا وأولياء السياسة والاقتصاد، نعم فلا بأس أن نخرج من أطار كل راع يرعى رعيته، ولتكن كل نفس ترعى نفسها وترعى قوّتها وأمنها وأمانها ، لتكن كل نفس راعية الحق والواجب في آن معا، لطالما أن المسؤولية الفردية والمواطنة الصالحة تعد نواة وقالب المشاركة والمسؤولية المجتمعية الجمعية  اللتان لو اجتمعتا معا كان للإنسانية أن تلملم نفسها وأن تنأى  إلى مرفأ الحياة .

 

وفي هذا  الآن الأليم، و على افتراض أن كل واحد منا مارس مواطنته والتزم بكل ما أوتي من امكانيات ومن اتباع احتياطات أشبه ما تكون بالأمنية البوليسية من أقنعة للوجه والقفازات، إلا أن الفيروس قد أجهز على جسده، كيف؟؟!متى؟؟! أين؟؟! لا أحد يعرف !!!!! ولا نستغرب ولا يوجد أي داعي للعجب من ذلك أو لاستنكاره، وليس هذا الوقت للتساؤلات العقيمة أو للتفسير أو حتى البحث ، وإنما هو  قت الطوارئ ، وحالة من الإرباك والخوف من القادم.  ولكن مع المضي قدما مع  هذا الفيروس ومع تبعثر مشاعرنا من الخوف والهروب منه وإنكار وجوده من قبل البعض منّا، ربما لأنهم وجدوا في ذلك مواساة لأنفسهم ، أو بارقة  أمل وأمان ليواصلوا بها أيام حياتهم بشيء من الثقة المرتابة، فيما البعض الآخر مضى قدما باللعب معه لعبة الغميضة، ولكن للأسف غالبا ما كانت روائح معقماتهم الطبية ذات الروائح النفاثة غالبا ما كانت السبيل للفيروس لإيجادهم ليحيّي أكفّهم ويخترق أجسادهم النحيلة وحتى الرصينة منها، لا فرق!!!! فيخترقها بنوبات من الألم والقشعريرة ملوثا ومشوها تفاصيلهم وبنيتهم الداخلية  بأقصى مستويات خبثه دون حسيب أو رقيب إلا على ما يبدو مع توافر لقاح مضاد له في محاولة لتهدئة روع انتشاره وكبح جماح أعراضه ومضاعفاته المسمومة.

أمّا عن حالة الحذر والالتزام، فكانت لا تخلو من اللامبالاة  أحيانا ومن الطيش أيضا، على قول :" الله بستر "و" الله بسلم" ليس ما يؤخذ هنا الإيمان بقدر الله المحتم، وإنما هي افتقاد حلقة الموازنة ما بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله.

وإن دقّقنا في تفاصيل أكثر وأكثر لغرقنا في متاهات هذا الوباء، ووقف العقل عن التفكير وعجز المنطق عن التفسير والشرح، لتبقى النتائج والأرقام والإحصائيات هي الأوضح والأكثر واقعية، وربّما الشاهد الأوحد على كون الإنسان هو الجاني والمجني عليه في آن معاً؛ الجاني هو بلحظة غفلة منه ودخول الفيروس لجسده ليرسب في أداء واجبه تجاه حماية نفسه وحماية الآخرين بل ليكون مصدر تهديد أمن مجمع سكني كامل. أما كونه المجني عليه، لأنه سيكون ضحية أزمة عالمية ووباء هائج هز أركان المواطنة حتى في أعظم دول العالم و أقواها، في وقت لا ينفع فيه أية نفوذ أو امتياز فالكل تحت تأثير الفيروس ولربّما هذا الشيء بل بالتأكيد هو الأوحد الذي تساوت فيه الإنسانية بحكمة إلهية . ولكن لا يغفر هذا للفيروس سلب العالم مقدراته لحماية ثروته الإنسانية وتوفير حقوقها في العيش الآمن والصحة والعلاج والتعليم وأيضا العمل والتنقل وحتى ممارسة الشعائر الدينية.

منذ أوج أزمة كورونا ومع تفاقم انتشاره وقف العالم عاجزا عن توفير أسرة للمرضى، وحتى أنابيب أكسجين للتنفس، وما بال التعليم أيضا؟؟ فقد أصبح التعليم عن بعد كما أردنا أن نسميه اعتباطا، فلم  يعدو سوا تعليما منزليا ينقل من خلاله المعلم معلومات الكتاب المقرر نقلها إلى الطالب وجاهيا لينقلها له الآن الكترونيا بدلا من ذلك بحكم الحجر الصحي ، لتكون نتائجه متواضعة لمن يتابع ويحضر من الطلاب، ناهيك عن عدد لا بأس به من المتسربين عن الححص الإلكترونية ، ليس بالضرورة أن يكون ذلك تقصيرا منهم أو من ذويهم، وإنما بلا شك هو غياب شبكة الانترنت عن منزلهم وعدم توافر عدد كاف من الأجهزة الالكترونية من لابتوب أو أجهزة خلوية لتفسح المجال لأبناء الأسرة الواحدة متابعة ذلك الزخم الهائل من الحصص. و إن دل ذلك على شيء فلا يدل إلا على غياب ما يسمى بالشراكة المجتمعية ما بين المؤسسة التعليمية وشركات الاتصال ، وغياب غيرها من الشراكات والافتقار لحس المسؤولية المجتمعية من تجاه أرباب المال والمشاريع الاقتصادية التي تنافرت ملامحها ما بين القول والفعل وما بين ما يسمعه المواطن وما يعيشه حين لا يصب ذلك إلا في بحر المواطنة الناضب.

وبين هذا وذاك  ليس لنا الحق بعد الآن أن نستهجن ممارسة الفرد مواطنته بسلبية مطقعة، حين لا يقول او حين لايفعل أو حين لا يشارك أو حين لا يطالب أو حين لا يدافع، لأن حصنه الحصين حجره المنزلي الطويل وبضع من الساعات خارجه يقضيها بسرعة متناهية وبحرفية تامة لمراوغة الفيروس .

 في عصر انقلبت به الموازين فلا ضير للإنسان أن يتقهقر قليلا ويثبط من نشاطه، حتى يتمالك ما تبقى له من حريته ومن حقوقة المتهالكة، ففيروس كورونا لم يكشف فقط ضعف أو قوة جهاز مناعة الجسم وإنما بلا شك ثبط وأضعف مناعة المواطنة وشرعية الحياة.