باقون على العهد، بقلم : عمر الجعفري

باقون على العهد، بقلم : عمر الجعفري

باقون على العهد
بقلم : عمر الجعفري

دائرة الاعلام -جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية

كنا لا نزال اطفالا نأخذ من البطانية التي زودتنا بها المؤسسات الانسانية في بدايات النكبة لحافا ، نسكن بيتا من اربع جدران حجرية ، مسقوفا بعدد من صفائح "الزينكو " المثقوبة و التي تسمح بتسرب مياه الامطار منها ، لتنهض أمي في الليل وتنقلنا الى مكان اخر وهكذا ...

كنا ننام في كل ليلة ،على حكاية جديدة من حكايات والدي عن الارض التي طردوا منها، فيما كانت امي تنهمك في نوبة بكاء على حالنا، وشوقا للارض والدار وشجرة السدر المزروعة باب الدار .

قال والدي كنا نعيش في قرية اسمها " دير رافات " الى الغرب من مدينة القدس بحوالي "20" كيلومترا، من ابرز معالمها "دير رافات " وهو دير يتبع الكنيسة اللاتينية.

ويضيف "في بعضا من رواياته " بعد ان تسللت الدموع على وجنتيه ، كانت علاقاتنا مع الدير ممتازة، وكان يقدم لنا أي مساعدة نطلبها، كنا نحرث الارض ونفلحها فنزرع القمح والشعير والعدس، كانت في القرية عين ماء ، تزودنا بالمياه التي نحتاجها ونستعملها ايضا في سقي الدواب التي كنا نربيها ، كنا نزور القرى المجاورة : دير ابان، جراش ، البريج ، بيت نتيف، صرعه زكريا صطاف ...... وغيرها ، كنت موظفا في خط سكة الحديد ،وعندما يزور القرية ضيف بقصد ساحة القرية فيرحب به الجميع ونقوم بإكرامه .

وتوقف والدي عن الحديث برهة، وتابع وهو يتحدث بألم المنكوب والمطرود عنوة من ارضه : وفي ليلة من ليالي تموز، حيث حرارة الجو اللافحة، تعرضت القرية للهجوم من اضطرنا الى مغادرتها ، وبعد رحلة عذاب وخوف ورعب وتنقل من قرية الى اخرى، وصلنا الى اطراف مدينة بيت لحم حيث سكنا في البداية في كهف "مغارة " وبعد سنوات ، أعطينا خيمة تأوينا في ظلها في مخيم الدهيشة، لنبني بعدها هذا البيت بعد ان طارت الخيمة في ليلة من ليالي الشتاء القارص، حيث تساقطت الثلوج .

مات والدي ،ومات أمي رحمهما الله وهما يعيشان على أمل العودة ، حملانا الامانة ،ونحن باقون على العهد .

اثنان وسبعون عاما على النكبة مرت ولا زلنا نردد ما قاله شاعر الثورة " ابو عرب "

يا توتة الدار صبرك على الزمان ان جار
لا بد ما نعود مهما طول المشوار يا يابا
يا توتة الدار حلفتك برب الكون
لا بد ما نعود مهما طول المشوار يا يابا