فيروس التعليم في زمن كورونا!!! بقلم الباحثة القائدة ضحى معاري

فيروس التعليم في زمن كورونا!!! بقلم الباحثة القائدة ضحى معاري

فيروس التعليم في زمن كورونا!!!
الباحثة القائدة ضحى معاري

ما لبث إعلان منظمة الصحة العالمية لفيروس كورونا الخطير والفتاك بالوجود البشري، حتى باشرت كافة الجهات المختصة والحكومية والمسؤولة في اتخاذ تدابير الوقاية و الإجراءات اللازمة منعا لتفشي انتشار هذا الفيروس.

وكان من بين هذه التدابير الاحترازية هو إغلاق كافة أماكن التجمعات الدينية والتجارية ولاسيما التعليمية، بل وإلى أبعد من ذلك بكثير من منع للتجوال والتنقل بين سائر المناطق في الدولة الواحدة و ما بين الدول في كافة أنحاء العالم.

كل هذا بدأ حيز التنفيذ ما بين تأييد ومعارضة لآليات التنفيذ لبعض القرارات والإجراءات، ولكن ليس بعد أن أصبح هذا أمرا واقعا بالفعل مفروغا منه وعاريا من الجدلية بين الشعب والساسة لأنه الحل الوحيد بل الأوحد الذي يعكس قابلية ثقافة مواطنة واعية ومسؤولة في التعاطي مع حالات طارئة كهذه والتعايش والتكيف معها وفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة العامة.

ومع هذا السُبات التعليمي، لابد وأن البحث عن البدائل والحلول أصبح بديهيا؛ للخروج من هذه الأزمة السرطانية بل ولم لا نقول الكورونية حيث لا يقل الكورونا خبثا ولؤما بل ويتفوق على السرطان حتى الآن.

وهنا لم تنتهي سكرة كورونا بَعد حتى جاءت فكرة التعليم عن بُعد، هذه الطريقة بالتعليم التي كانت منذ وقت طويل حلا وتسهيلا لبعض الظروف المكانية أو الاقتصادية وتكاليف التنقل والسفر إلى جامعات خارج الوطن والحصول على درجات الماجستير وحتى الدكتوراه من خلاله، كما أنه أصبح أكثر سهولة ومرونة مع التوفر الواسع للانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الفيس بوك وتطبيقات فائقة السرعة والإتقان في الإنجاز الوظيفي للمُدرس وحتى الأداء الدراسي للمتعلم.

حيث لمعت هذه الطريقة في أذهان كل معلم ومعلمة اشتعلت في نفسه روح العمل والمثابرة ولربما التميز عن غيره من معلمين لا ننكر وأن منهم  من وجدها فرصة للاستراحة والاسترخاء من أجواء الحصص الدراسية والجداول اليومية وأوراق عمل وأهمها المناوبة تحت طائلة مسؤولية ضبط سلوك الطلاب وحمايتهم من أي أذى خلال الدوام الرسمي، كما و أشادت الجهات الحكومية والخاصة بهذا الأسلوب من التعليم وتبنته المدارس والجامعات وحتى رياض الأطفال.

في البداية، أصبح الشعور العارم يكمن في مكافئة أنفسنا من معلمين وطلاب في دخولنا حيز تنفيذ بعض البرامج التعليمية والتعلمية التي لطالما قرأنا عنها في مناهجنا وتغنينا بها وسط انبهار تام بقدرة دول العالم في استخدامه كأسلوب اعتيادي في مناهجه الدراسية لمختلف المراحل وكما أحسسنا بأنها نقطة البداية لنهاية تعليم روتيني تقليدي ربما سيستمر خلال الأزمة وما بعدها .

هنا من بدأ من المعلمين بالتعليم الإلكتروني والاستزادة بالمعرفة التكنولوجية والاستعانة بأصحاب الخبرة، لتنفيذ بعض الدروس وتطبيقها في مجموعات تعليمية لطلابه وغيرهم من الراغبين بالمتابعة. ومن المعلمين من قدم ما يملكه من أسلوب عفوي وبما يملكه من مستوى بسيط و متواضع بالمجال التقني والإلكتروني معتمدا على حجم المعلومة الواجب وصولها إلى الطالب بغض النظر عن الشكل أو الصورة.  وأما الفريق الأخير من اختصر على نفسه وعلى غيره عناء التدريس والدراسة لحين انتهاء الأزمة ماثلا على رأس القول: "بكرة يحلها ألف حلّال".

في ظل التفاوت ما بين أداء المعلمين أنفسهم في التعاطي مع هذه الأزمة التعليمية بحكم مسؤوليتهم المهنية وما بين مفارقة غريبة عجيبة ما بين انجذاب رسمي شامل نحو حث الأهل إلى الاهتمام بالصحة النفسية والعقلية لأطفالهم أكثر من دراستهم ومهاراتهم الأكاديمية وإحاطتهم بكثير من الحب وبأجواء التسلية، وما بين التأييد الرسمي نفسه والدعم والتأكيد على دور المعلم في كل الظروف والاستمرارية في عمله الدؤوب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات الفيس بوك تحت إدارة مدرسية مسؤولة وغيرها من ترويج لمسابقات ومبادرات، فإني أرى حال المعلم يقول ""ما بين الحانا والمانا ضاعت لِحانا"، فإن لم يكن مطلوبا من أولياء الأمور متابعة دروس أبنائهم كواجب ملزم كمان كان الأمر في وقت سابق لكورونا، بل وطمأنتهم بأنه سيتم تدارك المادة الدراسية وتعويض المعلم لها حال انتهاء الأزمة!!!! فلماذا الآن وضع المعلم خطة طوارئ لمنهاجه ؟؟ ولمن سيشرح ؟؟ ولمن سيعرض ؟؟ وماذا سيكون الأثر ؟؟ ولصالح مَن؟

والمفارقة الأغرب هي في التداعيات النفسية وسيكولوجية المواقف كونك أما ومعلمة في آن واحد ، فأنا على سبيل المثال وليس الحصر لأني مؤمنة أن هناك الكثير من الأمهات المعلمات ينحذبن إلى أداء دورهن الوظيفي في تنسيق الدروس والواجبات وأيضا في إرسال التحيات ورسائل الشوق والمحبة لطلابهن، ولكن في دور الأمومة يفضلن أن ينعُم أبنائهن بساعات أكثر من النوم واللعب و مشاهدة التلفاز والقيام ببعض الواجبات المدرسية في حال تسنى بعض الوقت لذلك وغالبا (لا) يحدث.

كل ما يحدث من مفارقات حينا أو مقاربات حينا آخر، إلا أني أجد أن التوافق الأكبر هو على أهمية الصحة والسلامة النفسية لأطفالنا، نعم وكيف ننكر ذلك؟! ولكن الأمر المُفزع أن يكون التعليم هو الشعرة التي تقسم وتزعزع الأمان النفسي والصحي لنا ولأبنائنا أكثر من كورونا نفسه. فالأطفال وجدوا بفيروس كورونا مأمنا وملاذا أذهب عنهم قيد مقاعد الدراسة  وثقل الحقائب وبأس الكتب والدراسة، ونحن الآباء والأمهات وجدنا في حجرنا هذا متسعا للتحرر من بعض أعباء ومشاغل الحياة العملية والانكفاء على ممارسة أمور لم نحلم بها إلا بالإجازات الرسمية والوطنية والعطلة الصيفية لنقدم بذلك مبادرة عظمى من الأنانية المفرطة للاسترخاء والانكفاء على الذات والاكتفاء بأقصى عمل أو مجهود لا يتعدى باب المنزل.

طالما راهنا منذ بداية هذه الأزمة أن المعلم قادر على جذب اهتمام الطالب وخطفه من ألعابه المترامية هنا وهناك ومن برامجه الكرتونية المغامرة، إلا أننا لم نلبث واصطدمنا بحالة من تذمر الطلاب وذويهم من الدراسة ولهكذا نوع من التعليم والذي كان بمثابة حلم و أن تحقيقه ضرب من الخيال، ولكنه جاء ليثبت أن ما عجز عن تحقيقه المعلم في واقعه فلن يحققه في عالمه الافتراضي الآن.

هنا نقف أمام عدة تساؤلات: هل جاء كورونا ليطفئ بريق واقعنا التعليمي الزائف؟

هل الأمان النفسي والتعليم خطان متوازيان لا يطقاطعان ولا يلتقيان ؟؟؟ وهل هذا الواقع يلغي افتراض حقيقي وصلب أن لا أمان بدون تعلم ولا تعلم بدون أمان؟؟

هل حقا سنجد لقاحا لفيروس كورونا قبل أن نطور مرهما يرمم تقرحات نفوس طلابنا من كابوس الدراسة ؟؟؟