خمسة وخمسة وخمسة وخمسة، ورعوا .. فبرعوا.. واجتهدوا .. فخلدوا ، بقم هشام موسى

خمسة وخمسة وخمسة وخمسة، ورعوا .. فبرعوا.. واجتهدوا .. فخلدوا ، بقم هشام موسى

خمسة وخمسة وخمسة وخمسة
ورعوا .. فبرعوا.. واجتهدوا .. فخلدوا

بقلم/ هشام عبد السلام موسى


31 يوليو 2019

كثيرا ما شاهدت قائدنا ومعلمنا المغفور له عزيز بكير رحمه الله وقد اقترب من عقده الثامن، عندما كان يأتي إلى مكتب الأمانة العامة للمنظمة الكشفية العربية في 36 شارع شريف بوسط القاهرة، يجلس إلى مكتب حديدي متواضع، ويكتب بقلم رصاص يكاد لا يبين بين أصابعه من فرط قصر القلم وتآكله، حتى يكاد يصل إلى ما يقرب من عقلة الاصبع، فسألته ذات يوم عن إصراره على استنفاذ القلم حتى نهايته، فقال: يا ابني أولا لا بد أن نطبق ما نقول، فالكشاف مقتصد، فما الذي يعيب القلم مادام يؤدي مهمته في الكتابة إلى أن تنتهي مادته، وثانيا: فإنني لست صاحب القلم، إنما هو من أموال الكشافة، ونحن مؤتمنون عليها فلا نعرضها للهدر ولا للإهلاك..

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير أمين عام المنظمة الكشفية العربية الأسبق، الذي تولى مهمة الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية منذ عام 1966 وحتى عام 1976م.

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير الذي قام عام 1966 وعلى نفقته الخاصة باستئجار الشقة الكائنة في 36 شارع شريف بوسط القاهرة في مركز المدينة وفي أعرق شوارعها، لتكون مقرا للمكتب الكشفي العربي، الذي كان قبلة لكل القيادات العربية عند زيارتهم للقاهرة، كما قام رحمه الله بنقل تبعيتها للمنظمة فيما بعد، وذلك قبل إنشاء المركز الكشفي العربي بقرابة ثلاثين عاما.

كانت المنظمة الكشفية العربية تخصص مبلغ (20) جنيها مصريا شهريا تحت يد الأمين العام، فكان رحمه الله يقسمها على النحو التالي: خمسة جنيهات لأجرة عامل النظافة بالمكتب، وخمسة جنيهات ثمن الشاي والقهوة التي كانت تقدم لزائري المكتب، وخمسة جنيهات لدفع فاتورة التليفون، وخمسة جنيهات لدفع فواتير المياه والكهرباء.

كنت منذ عامين في الكويت في أحد الأنشطة العربية، وأصر أخي الكريم والصديق العزيز القائد/عبد الله القلاف على دعوتي على الغذاء، وتجاذبنا أطراف الحديث فحكى لي واقعة في عام 1969 عند إقامة أول دراسة للشارة الخشبية في الكويت، وكان قائدها المرحوم القائد/ عزيز بكير، فيقول القلاف: في نهاية الدراسة قدمنا للأستاذ عزيز شيكا بمبلغ كمكافأة نظير إدارته للدراسة، فرفض تماما أن يتقاضى أي أجر أو يقبل أي هدية.

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير الذي وقف أسدا في المؤتمر الكشفي العالمي في هلسنكي عام 1969، عندما قدر اقتراحا لإلغاء بند الواجب نحو الله من المبادئ الكشفية، فنافح وكافح بشدة في المؤتمر لرفض إقرار ذلك، واستطاع أن يكون لوبي متضامن معه لإبطال القرار.

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير الذي قام عام 1960 بتصريح صحفي منه بإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة آنذاك بين الحبيب بورقيبة في تونس وجمال عبد الناصر في مصر، ويترأس أضخم بعثة مصرية في المخيم الكشفي العربي الرابع في تونس.

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير الذي قام عام 1962 باستئجار باخرة تمر على الموانئ العربية تحمل الكشافين من كل مكان متوجهة للمغرب ليشاركوا في المخيم الكشفي العربي الخامس، محققا أعلى درجات تحقيق الهدف العربي في تعميق الأخوة بين الكشافين العرب.

هذا هو المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير الذي كان يهابه حتى شجر المخيم لقوة شخصيته، النابع من مثالية مفرطة، وقيم محكمة، وقوة في الحق، وسطوة في المنطق، ما كان ليرضخ أمام أية إملاءات لا فوقية ولا سفلية، كان ديدنه الحق يصدع به، أقدمه مثلا ونموذجا لنخبة من القيادات العربية شاءت غفلة الأقدار أن يكونوا على رأس الكشافة هنا وهناك في أكثر من موقع، فلم يزيدوها إلا وبالا، ولم ينفعوها إلا خبالا، فوصلت كشافتنا العربية إلى هذه الحالة من التردي والانبطاح.

إن أمثال المرحوم القائد/ عزيز عثمان بكير بكل ما حملوه من قيم الكشافة وعشقها الحقيقي وليس المزيف، نهضت بهم الكشفية واختطت طريقها.

أمثال عزيز بكير ورفاقه النجباء رحمهم الله هم متصوفة الكشافة، الذين جعلوا منها رسالة، ومن قيمها نهجا، ومن أهدافها سلوكا، هؤلاء هم من كان لديهم ورع الكشافة في إدراك المقاصد التربوية، والابتعاد عن الإثم أو الشبهة، والتعامل بشفافية مطلقة في كل ما يخص أموال الكشفية ويرعون مصالحها العامة بنزاهة، وضمير.

وأوجه رسالتي اليوم إلى الأخوة في اللجنة الكشفية العربية، وإلى الأخوة في باب الكشافة العالي.. أليس أمثال عزيز بكير هم أصحاب الخلطة السحرية في الكشافة العربية الذين قامت على أكتافهم، وترعرعت بين يديهم، ونمت على أعينهم، وأقول لكم: لازالت الكشافة في وطننا العربي تحبل كل يوم لتلد نموذجا فريدا أمثال عزيز بكير ورفاقه، قادرين على أن يحافظوا على منظمتنا الكشفية العربية لتعود مستقلة، وأن يديرونها بورع، وتجرد، وكفاءة، ولم تعقم الكشافة العربية حتى تلجأ للتبني من غير رحمها إلا نزقا وسخفا، فأمثال عزيز بكير ورفاقة رحمهم الله ورعوا فبرعوا، واجتهدوا فخلدوا.

وحفظا لتراث هؤلاء الآباء المؤسسين وما أنتجوه لنا من منتج عربي قوي يحافظ على هويتنا واستقلاليتنا سنظل أنا والمخلصين المؤمنين بقضية الهوية، نصدح وندافع عن رأينا في ضرورة الفصل بين المنظمة الكشفية العربية، والإقليم العربي للكشافة التابع للمنظمة الكشفية العالمية.