(الحلقة السابعة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

(الحلقة السابعة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

1984 مؤتمر الإنجازات الكبرى للكشافة العربية

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
19 سبتمبر 2019

وأنا أكتب عن مواقف ووقائع في تاريخ المؤتمرات الكشفية العربية، كان لا بد لي أن أعرج على واحد من أهم المؤتمرات الكشفية العربية، ألا وهو المؤتمر الكشفي العربي الـ16 الذي استضافته سلطنة عمان خلال الفترة من 5-11 ديسمبرعام 1984م، نظرا لما تميز به هذا المؤتمر من قرارات عملية حقيقية تم تنفيذها في الواقع، وكان لها تأثيرها في تنمية وازدهار الحركة الكشفية العربية خلال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، واستمر تأثيرها إلى الآن، ويعتبر هذا المؤتمر هو الوحيد إلى الآن الذي تم زيادة عدد أيام انعقاده لمدة يومين حتى تاريخ 13 ديسمبر؛ نظرا لأهمية الموضوعات التي تم مناقشتها فيه وتطلبها مزيد من الوقت للخروج بتوصيات وقرارات فاعلة فقرر رئيس المؤتمر زيادة مدة المؤتمر واستضافة جميع المشاركين على نفقة سلطنة عمان دون تحميلهم أية أعباء إضافية.

وقد حظي مؤتمر مسقط الذي أقيم في فندق الإنتركونتيننتال باهتمام ودعم كبيرين من قبل الدولة العُمانية، وهذا ما أعطاه الزخم الذي صاحب تنصيب صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان؛ كشافا أعظم للسلطنة قبل انعقاد المؤتمر بعام وذلك في تاريخ 20 نوفمبر 1983م، وارتدائه للزي الكشفي، كما أن الهيئة القومية للكشافة والمرشدات بسلطنة عمان في ذلك الوقت كان يرأسها المرحوم صاحب السمو السيد ثويني بن شهاب الممثل الخاص لصاحب الجلالة، الرجل الثاني في الدولة آنذاك كما كان نائبا لرئيس الهيئة معالي الشيخ الدكتور/ يحيى بن محفوظ المنذري- وزير التربية والتعليم في وقتها، ورئيس مجلس الدولة حاليا، وهو الذي ترأس المؤتمر بنفسه، وقد حضر افتتاح المؤتمر معالي الشاذلي القليبي- الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك.

ملامح أول استراتيجية كشفية عربية:

تناول الموضوع الرئيسي للمؤتمر موضوع (آفاق تطوير الحركة الكشفية العربية)، وذلك من خلال ورقة عمل تقدم بها معالي الدكتور/ محمد خير مامسر – وزير الشباب الأردني، حيث رسمت تلك الورقة الخطوط العريضة بعد ذلك لإنتاج أول خطة استراتيجية كشفية عربية والتي تم التصديق عليها في المؤتمر الكشفي العربي الـ18 الذي أقيم في أبو ظبي، وبدأ تنفيذها منذ عام 1990 – 2000، وقد سبقت في ذلك أول استراتيجية كشفية عالمية والتي بدأ تنفيذها منذ عام 1992م، أي بعد الكشافة العربية بعامين.

إنشاء صندوق التمويل الكشفي العربي:

مع بدء نشوب الأزمة النفطية وتدني سعر برميل البترول في النصف الثاني من الثمانينات خشيت المنظمة الكشفية العربية أن يحدث توقف للدعم الذي كانت تتلقاه من الجمعيات الكشفية في الدول النفطية أو يتأثر نتيجة ذلك، فكان من بين الإجراءات الاحترازية التي اتخذها المؤتمر أيضا إنشاء ما يعرف بصندوق للتمويل الكشفي العربي الذي استهدف في البداية تجميع ما يبلغ قيمته 2 مليون دولار أمريكي؛ ليتم استثمارها والصرف من عوائدها السنوية عند الضرورة، وذلك كضمانة للمستقبل ويصرف من عوائدها على تنفيذ الأنشطة الكشفية العربية في حالة أن تشح الموارد العربية، وقد بلغت أرصدته قرابة خمسة ملايين دولار، تم صرف منها مليون ومائتين وخمسين ألف دولار مساهمة بالنصف مع المنظمة الكشفية العربية، لشراء الأرض التي سيقام عليها بيت العرب، ويوجد حاليا في الصندوق مبلغ ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف دولار دولار أمريكي، وقد تم تجميع أموال الصندوق من أموال عربية خالصة من جيوب الكشافين والقادة التي دفعوها مقابل شهادات صندوق التمويل، ومن الهبات والتبرعات من القيادات العربية.

 

إنشاء المختبر الكشفي العربي:

نتيجة ما كانت تواجهه الكشافة العربية خلال تلك الفترة من نقص في الكتب والمراجع الكشفية والنشرات التعريفية، والحاجة لمركز أبحاث للدراسات الكشفية والمنهجية، فقد قرر المؤتمر إنشاء ما يعرف بالمختبر الكشفي التربوي، وقامت الأمانة العامة بالفعل بالعمل على تفعيل أهدافه، وشراء مطبعة خاصة بمقرها أولا في 36 شارع شريف بوسط القاهرة، ثم تم تطويرها بعد إنشاء المركز الكشفي العربي فأنشأت مطبعة متكاملة، وقام المختبر بإصدار الكتب والمجلات والنشرات الفنية، وأصبح له إنتاج غزير كان يغطي كافة الجمعيات الكشفية العربية، وأحدث رواجا في الثقافة والمعرفة الكشفية، وللأسف توقف كل ذلك شيئا فشيئا حتى انتهى الآن.

 

تفعيل نظام شارات الهواية والكفاية:

كان من بين قرارات المؤتمر الـ16 أيضا؛ إعادة الاهتمام بشارات الهواية والكفاية، باعتبارها تمثل الجانب الأساس في التربية الكشفية، وتم الاتفاق على أن تقوم الأمانة العامة من جانبها بإصدار الكتيبات والأدلة الخاصة بشارات الهواية وتم تنفيذ ذلك بالفعل وكان من أهم إنتاج المختبر التربوي، كما تطوعت الكشافة الليبية في المؤتمر بأن تشتري الآلات اللازمة لإنتاج هذه الشارات القماشية الخاصة بالهوايات، وتوفرها بسعر التكلفة لكافة الجمعيات الكشفية العربية، وقامت الكشافة الليبية بالفعل بالتنفيذ وأنتجت الشارات بكميات وفيرة، لكن الجمعيات الكشفية العربية خذلتها، ولم تتلق الكشافة الليبية أي طلبية من أي جمعية. واهتمت الكشافة العمانية بتفعيل شارات الهواية والكفاية كتجربة رائدة قامت بتنفيذها خلال المخيم الكشفي العربي السابع عشر الذي استضافته السلطنة عام 1986م في صلالة، والذي يمكننا أن نطلق عليه مخيم شارات الهواية حيث وفرت كافة الشارات بكميات تم استيرادها من كوريا الجنوبية، ووفرت أدوات الورش وكافة المستلزمات لذلك.

 

تطوير المناهج الكشفية العربية:

أوصى المؤتمر أيضا بضرورة تطوير المناهج الكشفية العربية، والتي كان قد مضى عليها وقت طويل منذ الستينات لم يجر عليها أي تطوير، وهذا ما حدث بالفعلبعد المؤتمر حيث اعتنت الأمانة العامة وتم أنتاج نسخة مطورة من المناهج في وقتها والمشهورة بالورقة (الصفراء والخضراء والحمراء).

 

تطوير أنظمة التأهيل القيادي:

شهد مؤتمر مسقط أيضا اتخاذ قرار بشأن تطوير أنظمة التأهيل القيادي وابتكار ما يعرف بالمشروعات الشخصية العملية التطبيقية بديلا للنظام السابق الذي كان معمولا به لسنوات (الجزئ العملي، والبحث النظري)، كما تعددت أنواع التدريب في النظام الجديد، بحيث لا تعتمد على الدراسة العملية فقط، وإدخال ما يعرف بنظام الأمسيات لمراعاة ظروف المدرب والمتدرب.

 

الاحتفال بمرور 30 عاما على إنشاء المنظمة الكشفية العربية:

عقد أيضا خلال المؤتمر اجتماعا للجنة تشكلت لوضع الإطار العام لاحتفال مرور 30 عاما على إنشاء المنظمة الكشفية العربية (1954-1984)، وتشكلت اللجنة من القادة الأكارم المرحومين: محمد الهبري (لبنان)، وعزيز بكير (مصر)، وجمال خشبة (مصر)، وحسين مكي (لبنان).

هذه القرارات الكبرى التي أفرزها المؤتمر الكشفي العربي ال16 بمسقط، كانت كلها تصب في صالح الكشاف والقائد الكشفي العربي ولخدمة الجمعيات الكشفية العربية، تستشعر معها أنه كان هناك قادة يفكرون ويعتنون ويهتمون بما يصلح شأن الكشافة العربية، ويسهم في تنميتها وازدهارها، وليس صراعات على المكاسب والمناصب وعضوية اللجان، فتحية لهذا الجيل الذهبي، وللإنصاف لا نغفل اسم القائد المرحوم فوزي فرغلي في هذا الفكر الكشفي الرائع، وجهده المتميز هو وفريق العمل الذي اشتغل معه في تلك الفترة من قادة أفزاز كمدراء للإدارات الفنية، أمثال القادة: عفيف الشعار (لبنان)، وعلي السوسي (ليبيا)، وعبد الجبار جبرو (المغرب)، والشاذلي باشا (تونس)، صابر حسنين (مصر)، وحسين صبري جاد المولى (مصر)، ومن أتى بعدهم من مدراء الإدارات الفنية فأكملوا هذا النهج من الإبداع، وحرص المرحوم القائد فوزي فرغلي على تحقيق رؤى وتوصيات هذا المؤتمر، وتحويلها إلى واقع بحكم عمله كأمين عام، بصرف النظر عما حدث بعد ذلك من أحداث ووقائع في تاريخ الكشافة العربية، فلنا أن نرفع له القبعة على كل إنجاز تحقق.

ولعل للحديث بقية في مواقف أخرى من وقائع المؤتمرات الكشفية العربية....