(الحلقة السادسة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

(الحلقة السادسة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

2007 مؤتمر التحديات .. نكون أو لا نكون
وكيف تم اختيار أفيلال رئيسا للمؤتمر في القاهرة؟

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
18 سبتمبر 2019

كان المؤتمر الكشفي العربي ال25 مؤتمرا مفصليا في تاريخ المنظمة الكشفية العربية لما صاحبه من تحديات وصعوبات، كان لا بد من التعامل معها بحكمة شديدة حتى يخرج المؤتمر محققا نجاحا لصالح العمل الكشفي العربي.

فقد تم تعيين الأخ العزيز الدكتور/ عاطف عبد المجيد أمينا عاما للمنظمة ومفوضا إقليميا عام 2006م، ومنذ استلامه لعمله بدأت التحديات تواجهه، أولها أن الأمين العام السابق المرحوم فوزي فرغلي- رفض أن يترك له مكتبه، وقام بتجهيز مكتب بديل للأمين العام الجديد في إحدى عرف الفندق السكني للمركز في الدور الرابع، وذلك بحجة أنه هذا هو مكتبه كرئيس مركز إدارة المركز الكشفي العربي، وباعتباره مدير عام جمعية إعمار المركز الكشفي العربي الدولي، وكان هذا تصرفا غير لائق منذ البداية، أن لا يمكن الأمين العام الجديد من دخول مكتبه الرسمي.

كما كان الأمين العام الجديد الدكتور عاطف يتأهب للتحضير لعقد المؤتمر الكشفي العربي الـ25 الذي كان من المفترض أن تستضيفه الكشافة الليبية حسبما كان مقررا، إلا أن الأزمة السياسية التي نشبت خلال مؤتمر القمة العربي في قمة شرم الشيخ عام 2003م، نتيجة المشادة الكلامية بين العاهل السعودي الملك عبد الله، والرئيس الليبي معمر القذافي، وما صحبه من توتر في العلاقة بين السعودية وليبيا سببا في رفض الكشافة السعودية المشاركة في المؤتمر الكشفي العربي بليبيا، وتضامن معها في ذلك مجموعة الدول الخليجية وبعض الدول العربية الأخرى التي أعربت عن نيتها في عدم المشاركة.

في تلك الفترة تلقيت اتصالا هاتفيا من الأخ الدكتور/ عاطف عبد المجيد، وكنت وقتها أعمل في الكشافة العمانية، وشرح لي الموقف والأزمة التي هو بصددها طالبا الاستشارة، فقلت له: خذ أول طيارة واذهب إلى ليبيا، والتق بقيادات الكشافة الليبية فهم قادة حكماء، ويقدرون الموقف، وقل لهم بوضوح: هل تريدون استضافة مؤتمر ويفشل نتيجة ضعف نسبة المشاركين فيه، أم تؤجلون أمر الاستضافة لوقت يتحسن فيه المناخ السياسي لتضمنوا نجاحه؟، وبالفعل سافر الدكتور عاطف إلى ليبيا، وعرض عليهم الأمر، فوافق الليبيون على عدم الاستضافة، شريطة أن يكون المؤتمر في بيت الكشافة العرب في القاهرة، وأن تقوم المنظمة باستضافته، وليس أي دولة أخرى، وهذا ما حدث بالفعل.

وكان من بين التحديات أيضا المرتبطة بالمؤتمر الكشفي العربي ال25، هو كيفية استصدار قرار من المؤتمر بحل بجمعية إعمار المركز الكشفي العربي الدولي التي تم إنشاؤها وإشهارها بتاريخ ١٢ يوليو ٢٠٠٤م تحت رقم ٥٦٨٠ في وزارة الشؤون الاجتماعية، والتي أسسها الأمين العام السابق وهو على أعتاب بلوغه سن الخامسة والستين وهو السن القانونية للتقاعد من المكتب العالمي والذي بلغه رسميا في عام ٢٠٠٥م.

حيث قام المرحوم/ فوزي فرغلي الأمين العام الأسبق، بالتنسيق مع المسؤولين في المكتب الكشفي العالمي، على رأسهم الدكتور/ جاك موريون – السكرتير العام للمكتب الكشفي العالمي، والدكتور/ مالك جبر-نائب السكرتير العام، والأستاذ/ لوك بنيسود- المدير المالي للمنظمة الكشفة العالمية، وحصل على قرار بتاريخ: ١٩ مارس ٢٠٠٤م موقع من الدكتور/ جاك مورييون، ينص على تأجير الأرض المقام عليها المركز وما عليها لصالح جمعية إعمار المركز الكشفي العربي بقيمة إيجار ١٠٠ فرنك سويسري سنويا، ولمدة ٩٩ عاما !!!!.

وكان على الدكتور/ عاطف عبد المجيد أن يبرز كافة الحقائق والمستندات التي تظهر الحقيقة جلية، ويضعها بين أيدي السكرتير العام الجديد للمنظمة الكشفية العالمية الدكتور/ ادواردو ميسوني، الذي تولى خلفا لجاك مورييون بعد ثلاثة أيام من توقيعه القرار المشار إليه، وبعد أن تكشفت لديه الحقائق كاملة، أصدر إدواردو قراره في ١٤ سبتمبر ٢٠٠٦م، بإبطال القرار الذي اتخذه سلفه جاك موريون بهذا الشأن، وبذلك عاد الحق إلى نصابه، واستطاع الدكتور عاطف، أن يوقف في اللحظات الأخيرة تحويل ماقيمته ١٨ مليون جنيه مصري من أرصدة المركز لحساب جمعية الإعمار، رغم أن هناك مليونين آخرين كان قد تم تحويلهما بالفعل لم يدركه الوقت للإمساك بهما، إلى أن تمت السيطرة شيئا فشيئا على الأمور في المركز.

واضطر الدكتور/ عاطف عبد المجيدإلى اللجوء إلى المحاكم المصرية لإبطال عمليات تحويل الأرصدة، والاستيلاء على المركز من قبل جمعية الإعمار، فأجل القاضي قراره وتجميد الأموال لحين أن يأتيه قرار واضح وصريح يصدر عن الجهة العليا للمنظمة؛ ألا وهي المؤتمر الكشفي العربي، لذا كان هناك حاجة ماسة لإصدار قرار من المؤتمر الكشفي العربي الـ 25 بهذا الخصوص يتم تقديمه للمحكمة للإفراج عن الأرصدة المحتجزة.

كل هذه التحديات كانت مرهونة بعقد المؤتمر وما يصدر عنه من قرارات، وقد قام الدكتور عاطف عبد المجيد بالطلب من الكشافة العمانية الاستعانة بي في عملية تنظيم المؤتمر، وتمت الموافقة وحضرت للقاهرة، وقال لي الدكتور عاطف في حينها: أنت تعلم كافة التحديات التي نواجهها، والتدخلات والتربيطات التي تحدث من عدة أطراف، وأنا كأمين عام جديد أي تحرك محسوب علي من قبل كافة الأطراف، لذا أترك لك كل العمل المفترض عمله من تحت الطاولة، ودون الرجوع إلي، افعل ما تراه في صالح الكشافة العربية، مستخدما محبتك وعلاقاتك الطيبة مع الجميع.

بدأ تتوارد الوفود المشاركين في المؤتمر على مقر المنظمة، وكانت أولى النقاط التي يجب تخطيها، وتفويتها على الجبهة الموالية للأمين العام السابق، والتي تسعى لتثبيت وجود جمعية الإعمار، هي عملية تحديد رئاسة المؤتمر حتى لا يجري التلاعب في المؤتمر، وكانت التربيطات تسير في إتجاه دفع الليبيين للتقدم بطلب رئاسة المؤتمر باعتبار أنه كان من المفترض أن المؤتمر يعقد في ليبيا، وهذا الاتجاه كان يدعمه القائد محمد التريكي من تونس، وبعد الأخوة من عدد من الدول، فقمت قبيل الجلسة الافتتاحية، بالطلب من كل من القائد المرحوم/ مصطفى عبد الرسول (لبنان)، والعميد/ سعيد إبراهيم (السودان)، والدكتور/ خالد فارس (المغرب)، وطلبت من الدكتور خالد أنه بمجرد الإعلان عن عملية تشكيل هيئة إدارة المؤتمر تطلب الكلمة وتقول: بما أن المؤتمر تنظمة الأمانة العامة، إذن فاليكن رئاسة المؤتمر للجنة الكشفية العربية، فيتدخل القائد/ مصطفى ويقول نحن نثني على هذا الاقتراح، ثم يقوم العميد/ سعيد إبراهيم ويقول: ونحن أيضا نثني على هذا الاقتراح، وقمت بالاتفاق معهم على هذا السيناريو، ولم يعلم أحد بما نحضره في هذا الأمر، وأذكر أننا كنا واقفين أنا ومجموعة من الوفد المغربي قبل دخول قاعة المؤتمر فسألتني القائدة/ وفاء أفيلال: (شكون تتوقع يكون رئيس المؤتمر؟، فقلت لها بتلقائية: أبوك، فقالت: كيف، فردعليها أحد أعضاء الوفد قائلا: إذا القائد هشام قال لك أنه أبوك فسيكون أبوك، وضحكنا جميعا)، حيث كان القائد محمد أفيلال آنذاك هو رئيس اللجنة الكشفية العربية وفي آخر مدته.

بدأت الجلسة الافتتاحية، وتم السيناريو الذي رسمته بالحرف، فما كان بعد ذلك إلا تثنية وتذكية من الجميع وتصفيق على اختيار القائد/ محمد أفيلال (المغرب) رئيسا للمؤتمر، رغم محاولة من القائد/ محمد التريكي (تونس) لتذكية ليبيا، ولكن السبق كان للقادة المتحدثين فارس وعبد الرسول وسعيد ابراهيم، فأثروا على القاعة مشكلين رأيا عاما انساق الجميع وراءه، وطلب القائد الدكتور/ منصور الكيخيا (ليبيا) الكلمة، متحدثا بحكمته المعهودة، وأثنى على القائد أفيلال وتاريخه، وقال: صحيح أن الحق لليبيا، ولكننا في النهاية نحن اخوان والبركة في الجميع، فكانت كلمته قاطعة لأي خلاف، وتم تثبيت القائد أفيلال رئيسا للمؤتمر، وبذلك تم تفويت أول فرصة على من يسعون لإصدار قرارات لا تصب إلا في مصالح خاصة، والتي كان يحركهم الأمين العام الأسبق ويديرها من منزله.

كان برنامج المؤتمر يتضمن كل ليلة دعوة على العشاء لكافة أعضاء المؤتمر في مكان مختلف، فكنت ألحظ أن عددا من القيادات الهامة لا تكون موجودة ولا تتحرك مع البقية، ثم شاهدت أن هناك سيارة كانت تعد كل ليلة يرتب لها أخو الأمين العام الأسبق، ويصطحبهم سويا، فسألت سائق السيارة الذي كنت أعرفه، فقال: أنه يأخذهم للعشاء في منزل الأمين العام الأسبق، فأدركت ما يتم تدبيره، فكنت أنتظرهم في بهو المركز لحين عودتهم، ثم أجلس معهم فرادى أو بشكل ثنائي، وأعرض عليهم الوثائق والمستندات الخاصة بموضوع جمعية الإعمار، فيتغير فكرهم تماما بعد ما اطلعوا عليه من إثباتات وبراهين، حتى أنه ذات ليلة، كان من بين هؤلاء الصديقة العزيزة / ليزا برمنجهام - نائبة رئيس اللجنة الكشفية العالمية –آنذاك-، فجلست معها بعد عودتها من العشاء، فقلت لها أين: أين كنت بهذا الفستان الجميل؟، فقالت: في سهرة خاصة لدى أصدقاء، فقلت لها: عند فلان..، فقالت متعجبة: وكيف عرفت؟، فضحكت وقلت لها: لقد قال لك كذا وكذا، ولكن أدعوك لتدققي في هذه المستندات والرسائل، إنها تنسف كل الكلام الذي قاله لك، فبدأت تدقق بالفعل في ورقة ورقة، وقالت في النهاية: لقد كنت سأرتكب غدا حماقة كبيرة في كلمتي التي سأوجهها للمؤتمر باسم اللجنة الكشفية العالمية، فقد كنت سأثني على موضوع جمعية الإعمار، وأقدم الشكر لفلان على جهوده، وأشكرك كثيرا أن نبهتني لذلك، وبالفعل جاءت كلمتها في اليوم التالي خالية من أي ذكر للجمعية أو تقدير لأي شخص بشأنها، وهكذا كنت في كل يوم أراقب المتخلفين عن حفل العشاء وأتصيد عودتهم لأجلي لهم الحقائق، فكانوا يأتون في جلسة اليوم التالي، وهم مهيئون لاتخاذ القرار الصحيح، متجاوزين كل ما تم تلقينهم إياه باطلا في دعوة العشاء، وتوالى القرار تلو القرار في المؤتمر يصب في صالح الكشافة العربية وممتلكاتها.

وخصص المؤتمر إحدى جلساته لمناقشة موضوع جمعية الإعمار وتبعية المركز، واتخذ المؤتمر توصية واضحة صريحة، بإلغاء كلما يعرف بجمعية الإعمار وعلاقة المنظمة بها، وأن تبعية المركز الكشفي العربي الدولي تؤول للمنظمة الكشفية العربية، ووقف يومها في تلك الجلسة القائد/ محمد التريكي من تونس والذي كان رئيسا لمجلس إدارة الجمعية، بعد أن تم تضييق الخناق وكشف الوثائق أمام الجميع من قبل الدكتور عاطف عبد المجيد، فوقف التريكي طالبا الكلمة، وقال بالنص: (إن كلمة الحق الوحيدة التي روت قصة إنشاء هذا المركز كما حدثت هي هذا المقال: وعد بلفور الكشفي، الذي نشره القائد هشام عبد السلام موسى منذ فترة، وأنني أعلن تبرئي من هذه الجمعية بعد كل ما اتضح من أمور لم أكن أعلمها)، وصفق الحاضرون له، وتم اتخاذ التوصية التي ذكرتها.

وحدثت محاولة بعد ذلك لتغيير نص التوصية لصالح جمعية الإعمار، لكنني اكتشفت الأمر مصادفة بعد ملاحظتي لحوار جانبي يشير لذلك، ولا داعي لتفاصيله لأنها محرجة للبعض، فقمت بإخطار الدكتور عاطف بذلك، وأعددنا نصا صريحا، واستدعى المسؤول، فتيقن بالفعل من تغيير التوصية، فقام بحذفها وتثبيت النص الصريح المتفق عليه، وكان ذلك ضربة قاصمة وبخاصة في اليوم التالي عندما أعلنت التوصيات وليس فيها النص الذي تآمروا على تعديله بخلاف قرار المؤتمر.

أما التحدي الآخر فكان هو كيفية الترتيب لإنجاح قيادات مؤيدة للعملية الإصلاحية الجديدة في المنظمة، وتكون غير موالية للاجتهادات الباطلة بشأن جمعية الإعمار، والتي انتهت باختيار اللواء طيار أحمد عبد اللطيف (مصر) رئيسا للجنة الكشفية العربية، وقد سبق أن تحدثت عن تفاصيل ذلك في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة من المقالات يمكن الرجوع لها.

وانتهى المؤتمر، بنجاح باهر، متجاوزا كافة المؤامرات التي حيكت لإفشاله، أو استصدار قرارات باطلة عنه لا تخدم مصالح الكشافة العربية، وأذكر أنه في اليوم التالي لختام المؤتمر، توجهت لصالة المطعم، فوجدت القائد محمد التريكي جالسا مع عدد من الأصدقاء فناداني، وقالي لي: طوال حياتي الكشفية لم ينتصر علي أحد إلا أنت (مشيرا لما حدث في المؤتمر من تجاذبات وحيل)، فقلت له: يا قائد محمد ربي يعلم قدرك عندي ومحبتك، ولكنكم أنت تضامنت مع فلان وكان هو يدير المؤتمر من منزله ولصالحه الشخصي، وأنا كنت هنا أدير المؤتمر بنفس أسلوبه الذي تعلمته منه طوال سنوات من خلال عملي معه، ولكن لصالح الكشافة العربية، فلا تلومني على ذلك، ولعل هذا الحديث بيني وبينه كان آخر عهدي بالقائد التريكي فلم نلتق بعدها.

وقد تم تكريمي في ختام المؤتمر من قبل الدكتور/ عاطف عبد المجيد- الأمين العام، والسيد اللواء طيار أحمد عبد اللطيف- رئيس اللجنة الكشفية العربية المنتخب؛ على الدور الذي لعبته في إنجاح المؤتمر..

ولعل للحديث بقية في مواقف أخرى من وقائع المؤتمرات الكشفية العربية....