(الحلقة الرابعة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

(الحلقة الرابعة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

كيف تنازلت لبنان مرتين عن حقها في عضوية اللجنة الكشفية العربية لصالح فلسطين

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
16 سبتمبر 2019

أقيم المؤتمر الكشفي العربي الـ21 في تونس العاصمة عام 1995م، ووفق المحاصصة الانتخابية للتقسيم الجغرافي في انتخابات اللجنة الكشفية العربية، فقد تم انتخاب عن مقعدي المغرب العربي بالتذكية كلا من القائدين: الدكتور/ مصطفى جمعة سالم (ليبيا)، والقائد/ محمد التريكي (تونس) وفق نظام الدور المتبع بين دول المغرب العربي، وتم انتخاب عن مقعدي الخليج العربي بالتذكية كلا من الأستاذين: داود الزدجالي (سلطنة عمان)، ومحمد الحميدي (الكويت)، أما في دول المشرق العربي ووفق الدور المتبع المستحق فكان لكل من (مصر والأردن، ولبنان).

إلا أن الدكتور/ فائق طهبوب (فلسطين)، طلب أن يمنح الحق في دخول اللجنة متخطيا دور لبنان، ونوه في كلمته التي ألهبت حماس الحاضرين في المؤتمر؛ أنه يريد أن ينظم المؤتمر الكشفي العربي القادم في القدس، وبخاصة، بعد إعلان الزعيم الراحل ياسر عرفات من الجزائر عام 1988 عن قيام دولة فلسطين، وقرار المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة في 10 أكتوبر 1993 في تونس، بشأن إنشاء الدولة الفلسطينية المقبلة على جزء من أرض فلسطين وهي: الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن استضافة المؤتمر الكشفي العربي في فلسطين سيعزز من ذلك.

وكان اتحاد كشاف لبنان في هذا المؤتمر قد قام بترشيح القائد/ يوسف خداج لمهمة عضوية اللجنة الكشفية العربية، حسب الدور المستحق للبنان، وبعد الحديث الذي تفضل به الدكتور طهبوب، قام القائد/ يوسف خداج، وأعلن عن انسحابه لصالح فلسطين، وقال: لأجل هذا الهدف السامي أتنازل لفلسطين عن مقعد لبنان في عضوية اللجنة، وكانت تلك المرة الأولى.

وبذلك شغل المقاعد الثلاثة لدول المشرق العربي كلا من السادة: اللواء طيار/ أحمد عبد اللطيف أحمد (مصر)، والقائد/ فهد قاقيش (الأردن)، والدكتور/ فائق طهبوب (فلسطين)، وذلك للفترة من (1995- 2000).

أما المرة الثانية التي تنازلت فيها لبنان لفلسطين، فكانت خلال المؤتمر الكشفي العربي الـ25 الذي عقد بمقر المنظمة في القاهرة عام2007م، وحدث في ملابسات هذا المؤتمر أن الدور في الانتخابات لمجموعة دول الخليج العربي كان مفترض أن يكون من حق (السعودية وقطر)، فتقدم للمقعدين كلا من الأساتذة: الدكتور/ عبد الله الفهد (السعودية)، وعبد الله محمود (قطر)، إلا أنه تقدم لعضوية اللجنة أيضا متخطين للدور المتبع في الخليج كلا من القائدين: وليد الزدجالي (سلطنة عمان)، وسلطان غانم مفتاح (الكويت)، وقبيل المؤتمر انسحب الزدجالي، وبقيت المواجهة بين (السعودية وقطر والكويت) ثلاثة دول تنافس على مقعدين انتهى بفوز كلا من (السعودية والكويت)، وهذه الواقعة في حينها أحدثت شرخا في العلاقات الخليجية على المستوى الكشفي، استمر لسنوات.

أما الموقف في دول المغرب العربي، فدخلت وفق الدور كلا من موريتانيا ممثلة في المرحوم/ محمد ولد سيدي أحمد (موريتانيا)، والقائد/ نور الدين بن براهم (الجزائر)، بالتذكية دون أي انتخابات وفقا للدور المغاربي.

أما الموقف في دول المشرق العربي، فشهد تنافسا على مقعد واحد من قبل ثلاث جمعيات هي: (فلسطين ولبنان والأردن)، وفي ملابسات ذلك كان من المفترض أن الدور مستحق لفلسطين، إلا أنه حدثت تفاهمات كان من الممكن بموجبها أن تتنازل فلسطين ممثلة في الدكتور/ فائق طهبوب، إلى الأردن ممثلة في القائد/ منذر الزميلي، وعندها تقدمت لبنان لدخول التنافس ورشحت عنها القائد/ يوسف خداج للمرة الثانية، وكانت وجهة نظر اللبنانيين آنذاك؛ أنه إذا أرادت فلسطين أن تتنازل عن دورها فالأولى أن تتنازل عنه للبنان التي سبق أن تنازلت لفسلطين كما سبق وذكرنا في المؤتمر الكشفي العربي ال21 بتونس عام 1995م.

وفي هذا المؤتمر استدعاني الدكتور/ عاطف عبد المجيد (الأمين العام) من سلطنة عمان، للمشاركة في تنظيم المؤتمر، وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر يقوم بإدارته بعد توليه منصب الأمين العام في 2006م، وبمجرد وصولي للقاهرة وبعد استقراء المشهد قمت بالاتصال هاتفيا بالمرحوم القائد/ أحمد عرفات القدوة رئيس جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية آنذاك، وكان موجودا في رام الله، وكان سبق له أن اعتذر عن حضور المؤتمر، وطلبت منه ضرورة الحضور، وأعلمته بما يحدث من تنازلات وترتيبات، فقال: سأكون لديكم غدا، وبالفعل في اليوم التالي وصل إلى القاهرة، وحدثت قبل جلسة انتخابات اللجنة الكشفية العربية عدة جلسات بين الأطراف الثلاثة (القدوة، وخداج، والزميلي) في محاولات أن يتنازل أحدهما للآخر دون جدوى، وفي إحدى الجلسات التي استمرت قرابة ثلاث ساعات في محاولة لتقريب وجهات النظر، شارك فيها إلى جانب الثلاثة كلا من: (اللواء طيار أحمد عبد اللطيف (عضو اللجنة من مصر)، والدكتور/ حمود عباد (عضو اللجنة من اليمن)، وهشام عبد السلام موسى، وكنت وقتها داعما للقائد/ يوسف خداج، وأتحدث مع مندوبي جميع الدول المشاركة لتجميع أصوات له، وبعد أخذ وعطاء وجدال، تنازل القائد/ منذر الزميلي للقائد أحمد عرفات القدوة، باعتباره هو المترشح الأصلي، وبقي الجدال دائرا بين خداج والقدوة، كل منهم يحاول أن يقنع الطرف الآخر بالتنازل، والمتواجدين يحاولون تقريب وجهات النظر، ثم طلب مني القائد يوسف خداج أن نخرج قليلا خارج القاعة، وبعد أن خرجنا قال لي: أعلم حجم الجهد الذي بذلناه من أجل تجميع الأصوات لصالحنا، ولكني أود أن أصارحك، أنني لن أحترم نفسي إذا دخلت انتخابات أمام القائد/ أحمد عرفات القدوة، وأنا أعلم أنني سأفوز، فرجل في سنه بتاريخه وقامته وقيمته لا يمكن لي أن أكسره أمام نفسه أو أمام الآخرين، لذا فسأتنازل له إكراما له ولفسطين، فقلت له: والله يا أخي إنك رجل ومحترم، وهكذا تكون الرجال.

عدنا سويا ودخلنا القاعة وهم لازالوا جالسين فقلت للمرحوم/ أحمد القدوة، سلم على أخيك يوسف فقد تنازل لك، فقاما واحتضنا بعضهما في جو من مباركة الجميع، وشكرهم للقائد يوسف على موقفه النبيل، وشكرني القائد القدوة وهو يسلم علي بحرارة، فهمست في أذنه قائلا: هله هله في اللواء أحمد عبد اللطيف (مشيرا أن يدعمه في التصويت لرئاسة اللجنة)، فقال لي: من ها الخشم (في إشارة لموافقته، وهذا ما قام به بالفعل)، وبذلك أصبحت المقاعد الثلاثة لدول المشرق العربي يشغلها كلا من السادة: اللواء طيار/ أحمد عبد اللطيف (مصر)، والدكتور/ حمود العبادي (اليمن)، وأحمد عرفات القدوة (فلسطين). وفاز أحمد عبد اللطيف بالفعل برئاسة اللجنة الكشفية العربية بدعم من فلسطين والكويت بالتصويت لصالحه.

ورشحت لبنان بعد ذلك القائد/ يوسف خداج لعضوية اللجنة الكشفية العربية للمرة الثالثة في المؤتمر الكشفي العربي ال26 الذي عقد في الخرطوم 2010م، وفاز في هذه المرة كما سبق وشرحت ملابسات ذلك في مقالة سابقة.

ولعل للحديث بقية في مواقف أخرى من وقائع المؤتمرات الكشفية العربية....