(الحلقة الثالثة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

(الحلقة الثالثة) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

كيف تم تنحية الزواغي من رئاسة الجنة الكشفية العربية؟
البدايات الحقيقية لضعف اللجان الكشفية العربية المتعاقبة

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
14 سبتمبر 2019

خلال المؤتمر الكشفي العربي ال17 الذي عقد في العاصمة صنعاء باليمن تم انتخاب المرحوم القائد/عبد الله الزواغي (تونس) رئيسا للجنة الكشفية العربية عن الفترة من (1986-1990)، أي فترة مؤتمرين عربيين حيث كانت المؤتمرات العربية تعقد كل عامين آنذاك، وليس كل ثلاثة أعوام كما هو حادث الآن.

والقائد الزواغي الغني عن التعريف، هو أحد مؤسسي الكشافة التونسية منذ بدايتها، وأسهم في إرساء قواعد التنظيم الكشفي العربي، وكان عضوا في اللجان العربية منذ بداية تشكيلها، وكان قائدا عاما للكشافة التونسية، ثم تولى مهمة رئيس المجلس الأعلى للكشافة التونسية، وكان رجلا صلبا معتدا برأيه، جادا في تعاملاته، ويحمل وراءه تاريخ كشفي ناصع.

وشهدت الفترة التي تولى فيها رئاسة اللجنة منذ عام 1986 خلافات مستمرة في وجهات النظر بينه وبين الأمين العام للمنظمة آنذاك المرحوم القائد/ فوزي فرغلي، فكلا الرجلين كان معتدا برأيه، وكان من الصعب التوفيق بينهما، وكان الزواغي يتعامل بحكم اللائحة -وقتها قبل تعديلها- مع الأمين العام أنه موظف لدى اللجنة الكشفية العربية، ففي بعض اجتماعات اللجنة كان يرفض تدخل الأمين العام ويقول له: أنت سكرتير للجنة الكشفية العربية تنفذ ما نقره نحن، وليس لك حق التدخل.

كانت اللجنة الكشفية العربية آنذاك تضم في عضويتها إلى جانب الزواغي كلا من الأساتذة الأفاضل: المرحوم/ حسين مصطفى جوادي (السعودية) نائبا للرئيس، والمرحوم/ حسان ظبيان (الأردن)، والمرحوم/ وجيه جارودي (لبنان)، و د.فائق طهبوب (فلسطين)، والمرحوم/ د.محمد حسونة فحيمة (ليبيا)، والمرحوم/ حسين مكي (لبنان) العضو العربي في اللجنة الكشفية العالمية.

وكان وقتها هناك قرار بوقف عضوية مصر من المنظمة الكشفية العربية الذي تسبب في نقل مقر الأمانة العامة إلى تونس، وبقاء مكتب الإقليم العربي في القاهرة؛ كما بينت ذلك في مقالة سابقة لي بهذا الخصوص، وظل الوضع على هذا النحو ما بين تونس والقاهرة، إلى أن قررت اللجنة الكشفية العربية في دورتها رقم 65 في نوفمبر 1987م الذي عقد في عمان بالأردن بإنهاء هذا الوضع، بمحاولات مستميتة من المرحوم فوزي فرغلي، وتفهم ودعم من أغلبية أعضاء اللجنة العربية آنذاك، وبمعارضة من المرحوم القائد/ عبد الله الزواغي (تونس).

وصل الأمر في بعض الأحيان إلى درجة الصدام ما بين رئيس اللجنة والأمين العام، فبدأ الأمين العام في محاولة لقلب الطاولة على الزواغي، من خلال استمالة باقي أعضاء اللجنة إلى صفه، في مهاتفات لهم كانت تجري يوميا واحدا تلو الآخر، وكنت وقتها أعمل مسؤولا عن النشر والإعلام في المنظمة، في مكتب شارع بيروت بالقاهرة، وكانت المكاتب كلها مفتوحة على بعضها، ويتوسطها قاعة الاجتماعات التي كان يحب الأمين العام أن يجلس عليها، ويدير من خلالها العمل ويجري اتصالاته، فكنا كموظفين نعلم ونسمع جميعا بكل ما يجري من تفاهمات واتصالات، كما ركز الأمين العام على التواصل مع المرحوم/ حسين مصطفى جوادي نائب الرئيس (السعودية)، لإقناعه أنه الأحق برئاسة اللجنة، وأن السعودية لم تأخذ هذا الدور من قبل، ولماذا الزواغي وليس هو، فملأ رأسه وهيأه نفسيا لذلك، وعلى نفس الوتيرة تم إقناع باقي أعضاء اللجنة وتهيئتهم نفسيا لذلك.

وفي عام 1988م سافرت مع المرحوم الأستاذ/ فوزي فرغلي إلى الإمارات لحضور المؤتمر الكشفي العربي ال18 الذي عقد في أبو ظبي، وكان يسبقه اجتماع اللجنة الكشفية العربية الدورة 68 الذي أقيم يوم 27 ديسمبر 1988؛ لوضع الترتيبات الأخيرة قبل انعقاد المؤتمر، وكنا مقيمين في فندق إنتركونتيننتال أبو ظبي، فأبلغ الأمين العام السادة أعضاء اللجنة بموعد الاجتماع الساعة الخامسة والنصف في قاعة (اللؤلؤة)، وأبلغ المرحوم القائد/ عبد الله الزواغي رئيس اللجنة بأن موعد الاجتماع الساعة السادسة مساء في قاعة (المرجان) في نفس الفندق، فلما اجتمعت اللجنة ظلوا لخمس دقائق ينتظرون حضور الزواغي، ثم مدوا الزمن لعشرة دقائق في انتظاره، والكل يترقب، فلما لم يحضر، قال الأمين العام لنبدأ الاجتماع برئاسة السيد/ حسين مصطفى جوادي نائب الرئيس لحين حضور الرئيس، فوافق الحاضرون، (وكنت حاضرا هذا الاجتماع لتوثيق المحضر والتوثيق الإعلامي المصور)، فاستعرض الحاضرون جدول الأعمال المتفق عليه مسبقا، وفي بند ما يستجد من أعمال، تقدم المرحوم/ حسين مصطفى جوادي برغبته في تولي رئاسة اللجنة للفترة القادمة، بدلا من الزواغي، وتم التصويت بين أعضاء اللجنة فصوتوا لصالح هذا القرار.

وفي نفس التوقيت الذي كان يتم فيه عزل وتنحية الزواغي من رئاسة اللجنة كان الزواغي يبحث في قاعة المرجان عن زملائه أعضاء اللجنة، وينتظرهم معتقدا أنه قد سبقهم للمكان!!!.

على العشاء التقى الجميع، ويتساءل الزواغي أين كنتم؟، وهم يسألونه أين كنت؟ ولكم أن تتخيلوا كيف كان الموقف؟، وبعد أن علم الزواغي بما تم انفجر غاضبا منهم، وصب جام غضبه على الأمين العام، الذي لم يكن يعنيه إلا أنه حقق انتصارا -من وجهة نظره- لإزاحة عقبة من طريقه.

ولي أن أسجل هنا أن هذا الموقف غير الأخلاقي من وجهة نظري، شكل البدايات الحقيقية لضعف اللجان الكشفية العربية المتتالية بعد ذلك، والتي كان يتم تدجينها، واحدة تلو الأخرى، واللعب من فوقها، وتخطي قراراتها، ومحاولات دائمة لإجراء ألعاب وتفاهمات انتخابية تأتي بأعضاء في اللجنة موالين له في كل انتخابات تجري في مؤتمر عربي، واستحداث فكرة التقسيم الجعرافي (مقعدين للخليج، وثلاثة مقاعد للمشرق، ومقعدين للمغرب العربي) التيلم تكن موجودة في اللائحة أصلا، ولكن جرى بها العرف حتى استقرت، وهذا أيضا عمل على إضعاف اللجنة ولم يعد انتخابا حرا لأعضاء اللجنة في المؤتمر لاختيار الأكثر كفاءة؛ بصرف النظر عن قطاعه الجغرافي بل أصبح بالدور الذي شهد تمسكا من قبل القائمين على الجمعيات لترشيح أنفسهم؛ حتى ولو كانوا غير ذي كفاءة مهنية كشفية، وأتوا من خلفيات وظيفية إدارية لا علاقة لها بالكشافة، هذا فضلا عن التعديلات المتتالية في نصوص النظام الأساسي للمنظمة الكشفية العربية، التي كانت في كل مرة يجري فيها تعديل على لائحة المنظمة كان يتم إدراج عدد من البنود تضيف صلاحيات أكثر للأمين العام، وتضعف رقابة ومتابعة اللجنة الكشفية العربية للأمانة العامة، وللأمين العام، وإنجازات إداراته، بل وتعيين موظفيه، والحصول على مكاسب وامتيازات إضافية لم تكن اللجنة الكشفية العربية تسمح بها من قبل.

ولنا أن نرصد أن حالة الضعف والوهن الكشفي لم تكن وليدة يوم وليلة، إنما هي تراكمات من التنازلات والمجاملات، وعدم الرغبة في المواجهة للإصلاح الحقيقي، وتكتلات المصالح الشخصية على حساب الصالح العام، وجهل لو صح التعبير بأصول العمل الكشفي ومقتضياته في بعض الأحيان.

ولعل للحديث بقية في مواقف أخرى من وقائع المؤتمرات الكشفية العربية....