(الحلقة الثانية) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

(الحلقة الثانية) مواقف ووقائع في المؤتمرات الكشفية العربية

كيف أجهض حق سوريا في الترشح للجنة الكشفية العربية في مؤتمر الجزائر؟

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
13 سبتمبر 2019

شهد شهر مايو عام 2013م انعقاد المؤتمر الكشفي العربي ال27، الذي أقيم في العاصمة الجزائر، وشاركت سوريا بوفد مميز برئاسة القائد/ إلياس شحود قائد كشاف سوريا، والذي كان مرشحا في هذا المؤتمر للمرة الثانية -كسابقه في الخرطوم كما ذكرت في مقالي السابق- إلى عضوية اللجنة الكشفية العربية.

وكان الوضع السياسي العربي المعوج آنذاك (والذي مازال) يشهد تفاعلات تسعى لإسقاط النظام في سوريا، وتتضامن مع ما يعرف بتيار سوريا الحر المدعوم من الغرب، وعدد من الدول العربية للأسف، حتى أن بعض الدول العربية طالبت بوقف عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وكان لهذا الوضع السياسي تداعياته داخل المؤتمر الكشفي العربي ال27 في الجزائر، فمنذ اليوم الأول للافتتاح والذي أقيم في قاعة قصر الصنوبر، وتم فيه افتتاح معارض الوفود، واجه الوفد السوري انتقادات شديدة من عدد من قيادات الوفود العربية تطالبه بإزالة صورة الرئيس بشار الأسد التي تتصدر معرض الوفد السوري، وكان ذلك بلا شك تصرفا غير لائق ومحبط لإخواننا في الوفد السوري، ومع ذلك وقفوا وصمدوا وتخطوا الأزمة.

وتم اختياري في هذا المؤتمر مقررا عاما له، وكنت طوال جلساته أتابع كافة التفاصيل، والحوارات والجلسات الجانبية بين القيادات وأعضاء الوفود العربية المشاركة، وكنت أتلمس عن قرب في حواراتهم؛ عدم رغبتهم أو رضاهم أن يتم انتخاب مرشح سوريا لعضوية اللجنة الكشفية العربية.

كانت المقاعد الثلاثة التي هي حصة دول المشرق العربي في اللجنة من بينها مقعدان مشغولان بالفعل، بكل من القائدين/ منذر الزميلي (الأردن)، ويوسف خداج (لبنان)، حيث كانا يكملان فترة عضويتهما الثانية التي تمتد ثلاث سنوات (2013- 2016)، وكان هناك مقعد واحد فقط شاغرا، تقدم له كل من: القائد/ إلياس شحود (سوريا)، والمرحوم/ عبد الملك الزيني (مصر)، والأستاذ/ أحمد تاجر (السودان)، لذا فقد كان هناك ثلاثة يتنافسون على مقعد واحد وتقرر الانتخابات من يفوز.

كان من المفترض وقتها أن تلتزم كل من مصر والسودان بنص الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في مؤتمر الخرطوم الـ26 السابق، والموقع عليها من قبل رئيسي كل من الكشافة المصرية -آنذاك- السيد اللواء طيار/أحمد عبد اللطيف أحمد (مصر)، والسيد العميد/ سعيد إبراهيم (السودان) بالإضافة إلى باقي الدول الموقعة عدا الأردن، إلا أن هذا الاتفاق تم لحسه، ولم يعترف أي من الزيني وتاجر بما تعهد به سلفهما في هذا الاتفاق، واعتبروه غير ملزم لهما، ولم يكن هناك بديل للانتخابات فيما بينهم، وكان ذلك طعنة للسوريين؛ ولو سار الأمر وفق الاتفاق لكانت سوريا قد دخلت اللجنة بالتذكية دون منافس لها (لكن العرب لا يحترمون كلمتهم للأسف، ولو كان هذا الاتفاق فيه طرف أجنبي لصلوا من ورائه وصاموا).

استمرت أيام المؤتمر تمر ثقالا في نقاشات من أسفل الطاولة بلا طائل، حتى كانت أمسية الليلة قبل الأخيرة التي دعت إيها معالي وزيرة الثقافة الجزائرية كافة الوفود لحفل عشاء، تضمن فقرات غنائية تراثية بديعة، وكُنت ليلتها أعاني من صداع شديد ولا أحتمل الأصوات العالية، فخرجت إلى الساحة الخارجية لقصر الثقافة الذي تتوسطه نافورة جميلة للمياه مصطحبا معي أحد كراسي القاعة، فوجدت أخي القائد/ إلياس شحود (سوريا)،واقفا مستندا إلى أحد الأعمدة في البهو ينفث دخان سيجارته، فحييته، فقال: أريد أن أجلس معك، فقلت وأنا أيضا، فدخل فأحضر كرسيا له، وعاد لنجلس سويا، وبدأ شحود كلامه قائلا: (أخ هشام أنت بتعرف معزتك عندنا السوريين، وثقتنا بكلمتك وحسن تقديرك، فشو رأيك في الموقف بالنسبة للانتخابات غدا شو بتتوقع يصير؟)، فقلت له مباشرة: (الدفة ليست في صالحكم من خلال قراءتي للمشهد منذ بداية المؤتمر وحتى الآن)، فقال: شو بتنصحني؟، فقلت: لا بد من خروج مشرف وبكرامة بما يليق باسم سوريا، فقال: كيف، فقلت له: ثلاث كلمات لا يجب أن تأتي على لسانك غدا في الانتخابات (أنسحب- أتنازل- أعتذر)، فغدا في جلسة الانتخابات سيتم في البداية استعراض أسماء المرشحين وبعدها سيبدأ الترشيح، فقبل أن يبدأ الترشيح اطلب الكلمة من المنصة، وقل في كلمتك، إنني أردت أن أترشح لأعمل لصالح الكشافة، وأنتم لا تريدون سوريا ولن أفرض عليكم نفسي فهذا خياركم، ولكني أذكركم بأن سوريا هي أول من أسهم في تأسيس هذه المنظمة الكشفية العربية، وهي أول حاضن للمؤتمر الكشفي العربي الأول والمخيم الكشفي العربي الأول، والمرحوم القائد علي الدندشي هو من كافح ونافح في العديد من الدول العربية كي يؤسس فيها الجمعيات الكشفية العربية التي تمثلونها، وأن سوريا كانت السباقة دوما لخدمة الكشافة العربية، وسوريا لا تستجدي من أحد، ولكنه هذا هو دورها التاريخي ومقامها الرفيع، قل يا عزيزي هذه الكلمات بنبرة خفيضة مؤثرة واجلس، ولا تزد عليها كلمة.. وبذلك لا يكون قد ورد في كلامك كلمة انسحاب، أو تنازل أو اعتذار، ويكون خروجا سلسا، لا يقال فيه دخلت سوريا الانتخابات وفشلت، فقال: هذا رأيي أيضا، وغدا أفعل بإذن الله.

وفي نفس الليلة، وبعد انتهاء الحفل وعودتنا إلى الفندق، طلبت من المرحوم القائد/ عبد الملك الزيني رئيس الوفد المصري الذي كنت أنا أحد أعضائه، وكلا من القادة: محمد نصر، ود.خالد العيسوي، والقائد/ محمد عباس أن نلتقي سويا في لقاء سريع، تم في غرفتي بالفندق، وقلت للمرحوم عبد الملك الزيني: غدا، في جلسة الانتخابات سيطلب القائد الياس شحود الكلمة، وسيقول فيها: كذا وكذا، وأتمنى عليك يا حاج عبد الملك أن تطلب الكلمة بعده، لتطيب خاطره أمام الجميع، حفظا لماء وجه سوريا، بكلمات طيبات فهذا سيهدئ النفوس ويجعلنا دوما أخوة، وبخاصة أنك يا استاذ عبد الملك تمتلك أغلبية أصوات الوفود وفق ما تم التربيط له في حدود تسع دول مؤيدة مؤكدة لك، والنتيجة محسومة لصالحك، فوعد الزيني بذلك، وانصرفنا للنوم.

في اليوم التالي، كانت جلسة انتخابات اللجنة الكشفية العربية، وبدأت الجلسة، باستعراض أسماء المرشحين الذين سيجرى عليهم الانتخابات، حيث كانت مقعدي دول الخليج العربية بالتذكية لكل من الأساتذة/ خميس الراسبي (سلطنة عُمان)، وعبد الله محمود (قطر)، ومقعدي المغرب العربي بالتذكية لكل من القادة/ علي فتح الله (تونس) والدكتور/ عبد الحفيظ أبو ظهير (ليبيا)، وبعد إعلان أسماء المترشحين من المشرق العربي من (سوريا ومصر والسودان)، طلب القائد/ إلياس شحود الكلمة بالفعل، وقال حرفيا ما اتفقنا عليه بالأمس، بكلمة مؤثرة جدا، حتى أنه في نهاية كلمته ضجت القاعة بالتصفيق الحاد بحرارة شديدة، (وكنت أتمنى لحظتها لو وقف أحد القادة وقال: نحن ندعم سوريا.. لتم التصويت لصالح سوريا بلا منازع، ولكن العرب تثيرهم الحماسة ويغلبهم التصفيق.. وفقط)، وبعد ذلك طلب القائد/ عبد الملك الزيني الكلمة، وبالفعل نوه في بدايتها بسوريا وأنه ليس لدينا موقف مع سوريا، ولربما تتح لها الفرصة بعد انتهاء التوترات الحالية لتأخذ دورها من جديد، ولكن الزيني لم يكتف بذلك، واسترسل في حديث لا محل له من الكلام أغضب البعض، وكان كعادته صوته جهوري، فاستاء عدد كبير من الحاضرين من لهجة خطابه وكلامه، (وليته اكتفى بما اتفقت معه عليه وسكت لكان فاز) .

بدأ التصويت ما بين عبد الملك الزيني (مصر)، وأحمد تاجر (السودان)، فكانت النتيجة التعادل سبعة أصوات مقابل سبعة أصوات، فارتبكت المنصة وكنت جالسا كمقرر عام المؤتمر بجوار القائد/نور الدين بن براهم رئيس المؤتمر، وحدث نقاش بينه وبين نائبيه، واستشكل عليهم الأمر، فقمت ومعي النظام الأساسي للمنظمة وفتحت على مواد التصويت وقلت له هامسا في أذنه، النص واضح وصريح في حالة تعادل الأصوات يتم انتخاب الأصغر سنا، فكأنما انفرجت أساريره، وقال ممتاز اقرأها، فقمت بتلاوة الفقرة لحسم الموقف، ولما كان أحمد تاجر هو الأصغر سنا، فتم انتخابه ليكون عضوا في اللجنة الكشفية العربية، (وغضب مني يومها الزيني ولعله إلى يوم وفاته معتقدا أنني كنت السبب في سقوطه، ولو راجع نفسه لعلم أن أسلوبه أفقده صوتين مضمونين، وأنني كنت أطبق اللائحة، ولكن كانت تلك مشيئة الله).

وللحديث بقية في مواقف أخرى من وقائع المؤتمرات الكشفية العربية....