معنى التكريم وتكريم بلا معنى .. بقلم/ هشام عبد السلام موسى

معنى التكريم وتكريم بلا معنى .. بقلم/ هشام عبد السلام موسى

معنى التكريم وتكريم بلا معنى

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
6 سبتمبر 2019

في عام 1997 كان يوافق مرور 85 عاما على نشأة الكشافة العربية، وكان وقتها الرواد المؤسسين للتنظيم الكشفي العربي منذ نشأته في عام 1954 لم يتبق منهم على قيد الحياة إلا أربعة قادة –آنذاك- هم القادة: المرحوم/علي الدندشي (سوريا)، والمرحوم/ عزيز بكير (مصر)، والمرحوم/ محمد الهبري (لبنان)، والمرحوم/ عبد الله الزواغي (تونس)، وكنت وقتها أعمل مديرا لإدارة العلاقات العامة والإعلام في الإقليم العربي للمنظمة الكشفية العالمية، فتقدمت بمقترح للسيد الأمين العام للمنظمة المرحوم/ فوزي فرغلي، حول تنظيم حفل بمناسبة الذكرى الـ85، فأعجبته الفكرة لكنه أضاف عليها وقال: جهز المشروع، وأضف عليه أن ترشح كل دولة اثنين من الرواد المؤسسين للكشافة فيها ليتم تكريمهم في الحفل، وتم توجيه النشرة والدعوات للجمعيات، وتلقينا الترشيحات بأسماء المكرمين من قبل الجمعيات، وكانت في معظمها ممن تنطبق عليهم الشروط، إلا المرشحين من قبل الكشافة الليبية، فقد قاموا بترشيح كلا من القادة: المرحوم/ سالم جمعة سويكر، والمرحوم/ خليل الترك رحمهما الله، فلم يكونا فعليا من الرواد المؤسسين للكشافة في ليبيا، فراجعت المرحوم فوزي فرغلي في ذلك، فقال: طالما أن جمعيتهم قد رشحتهم فليس من حقنا أن نعترض.

وأقيم الحفل بالفعل في مقر المركز الكشفي العربي بالقاهرة في شهر نوفمبر 1997، وحضر جميع المكرمين إلا قلة حالت ظروفهم دون ذلك، وحضر المرشحين من ليبيا، وحضر معهما أيضا كلا من الدكتور/ منصور الكيخيا، والقائد/ رمضان الإدريس، وفي اليوم السابق لحفل التكريم دخل علي مكتبي في الصباح الباكر المرحوم/ سالم سويكر وقال لي: هل ممكن أن أنسحب من الترشيح؟، فقلت له: ولماذا؟، فقال: عندما أبلغوني في ليبيا قالوا لي أنه سيتم تكريمي، ولكن لم يخبروني أن التكريم على هذا المستوى من الرواد الأوائل المؤسسين، وأنا لا أساويهم ولا أدانيهم قدرا ولا تاريخا في الحركة.. فضحكت، وقلت له: إن لم يكن أنت فمن ترشح بدلا عنك؟، فقال: الأولى بهذا التكريم واحد من ثلاثة.. إما د. منصور الكيخيا، أو د.محمد فحيمة، أو القائد/ يوسف قنبور، فقلت له: يا أخي لقد تم ترشيحك وانتهى الأمر، وعموما أشكرك على هذا الإيثار والاعتراف بقدر الرواد، ويكفي شعورك ذلك فأنت صادق مع نفسك.

وفي نفس اليوم، وعقب تناول الغذاء، خرجت من صالة المطعم في المركز، فوجدت الدكتور/ منصور الكيخيا، يقف أمام باب المنظمة محاولا أن يوقف سيارة أجرة، وكان وقت ظهيرة وبه زحمة سير، فلم يفلح، فنزلت له وقلت: إلى أين يا قائدنا؟، فقال: أريد أن أذهب لمنطقة (روكسي) لشراء بعض الأغراض، فقلت له: أنا سأصطحبك بسيارتي، وأخذته إلى ما أراد، وخلال الطريق رويت له الحديث الذي دار صباحا من القائد/ سالم سويكر، فرد الكيخيا قائلا: بالعكس.. هو أولى منا بالتكريم، فأنا قد حصلت كل كل الأوسمة والقلائد عربيا وعالميا، ولست في حاجة لأي تكريم، أما هو فقد ترك عمله وبيته وتفرغ للكشافة والإشراف على مزرعتها، وأفنى كل وقته وجهده لخدمة الكشافة والفتية والقادة، أفلا نقول له شكرا، بل إنه الأولى بالتكريم.. فقلت للدكتور منصور: والله إنكما لأعظم من بعضكما، نعم المعلم ونعم التلميذ..

أردت أن أبدأ مقالتي اليوم بهذه القصة، لم لها من معنى ومغزى كبير، فالتكريم يا سادة إنما يكون بناء على إخلاص وجهد وعمل ودأب غير مسبوق، يتدرج فيه الفرد محققا شروطا محددة سلفا ضمن اللوائح والأنظمة التي تفرضها المنظمة العالمية أو العربية أو الجمعيات الكشفية، ويؤخذ فيها بعين الاعتبار أولوية الأقدمية، وكثافة العطاء، والريادة في مجال التكريم.

وحلاوة التكريم أن يأتيك؛ لا أن تسعى له، وأن تأخذه عن جدارة تعترف أنت نفسك بها قبل أن يعترف الآخرون بها، وتسأل نفسك سؤالا: هل أستحق فعلا هذا التكريم؟ أم أني لازلت لم أصل إلى مستواه؟ وهل أنا مستحق له أكثر أم أخي القائد الفلاني يستحقه أكثر مني؟ في نوع من الإيثار والترفع عن غير الحق، وهل تنطبق علي شروط هذا التكريم أم لا؟.

وتقتضي الشفافية والحوكمة أيضا أن القائم على الأمر لا يرشح نفسه للأوسمة، ويترك زملاء له قد يكونوا مستحقين أكثر منه لهذا التكريم لمجرد أن بيده اتخاذ قرار الترشيح فيزكي نفسه ويتجاهل من هم أسبق منه.

إن أي نوع من التكريم مثل الأوسمة والأنواط والقلائد، المحكومة بشروط منح واستحقاق، إذا تم تجاوز تلك الشروط فقد هذا الوسام أو القلادة أو النوط معناه وقدره وقيمته، وتجرأ على المطالبة بها كل سائح ورائح، سواء لم تتحقق فيه الشروط، أو تحققت جزئيا، واعتقد العامة حقا لهم فيما لا يجب أن يحصل عليه سوى الخاصة من القادة والكشافين وفق جدارتهم وعطائهم، وعند ذلك إذا تحصل المجيدين على ذلك التكريم عافته نفوسهم، وشعروا بقلة القيمة أن يرتدوه، في الوقت الذي يحمل نفس التكريم آخرون لا يستحقوه.

كما أن التزيد في التكريم بمنح الأوسمة والأنواط من باب توسيع قاعدة المستفيدين لا يولد أيضا إلا فقدان قيمة التكريم المفترض فيه أن يكون عزيزا وله قيمة.

وأعتقد أن الخلل الحقيقي أن أغلب الجمعيات الكشفية العربية لا يوجد بها توثيق كامل للقيادات في شكل قاعدة بيانات ترصد عطاء كل قائد ومشاركاته، وما قدمه من إنجازات وما سبق أن تحصل عليه من أوسمة وأنواط وقلائد وأقدميته، فمن السخرية أن يحصل البعض على نفس الوسام مرتين، أو أن يأخذ الوسام الأعلى وهو لم يجتز بعد الوسام الذي هو أقل منه، فمن المعلوم أن الأوسمة لها تراتبية فلا يجوز تخطيها، ولذا تضيع حقوق الكثير من القادة ويتم تناسيهم، بحكم قاعدة القريب من العين قريب من القلب، والعكس صحيح!!!.

كل يوم تتعالى الأصوات في أغلب الجمعيات الكشفية تطالب بحقها في التكريم، فلماذا لم نكن نسمع عن تلك الشكاوى من قبل؟ والجواب بسيط لأن هناك خلل ما في المنظومة تواجهها الجمعيات الكشفية العربية، وليست المنظمة الكشفية العربية بمنأى عن ذلك، فعلى سبيل المثال: في السابق قبل عدة سنوات كان الترشح لقلادة الكشاف العربي يتم من قبل لجنة مشكلة من كبار القادة الرواد للكشافة العربية، الذين كانوا يقومون بحصر القيادات التي تعمل في الميدان الكشفي العربي، ويقارنون بينهم حتى يتوصلون لقائمة محددة لا تتجاوز أصابع اليد ليتم منحهم القلادة في المؤتمر العربي التالي: حيث تصادق اللجنة الكشفية العربية على قرار لجنة القلادة وتعتمده، ويكون دور الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية بعد ذلك هو التواصل مع الجمعيات الكشفية العربية التي يتبعها هؤلاء المقلدون للسؤال فقط، أن اللجنة الكشفية العربية قد رشحت فلان من جمعيتكم، هل لديكم أي اعتراض على الترشيح؟ فإن لم يكن هناك اعتراض جارح اعتمد الأمر وتم التقليد في أقرب مؤتمر كشفي عربي، وكانت هذه الآلية في وقتها قد جعلت لقلادة الكشاف العربي قيمة كبيرة، وقلما كانت تظهر هناك أي اعتراضات على المرشحين لها؛ لأن من اختاروهم انتقوهم بحيادية وعناية، وهم من كبار القادة رواد الحركة الذين لا يشكك في نزاهتهم أحد.

ولكن من وجهة نظري أن الخلل في منح قلادة الكشاف العربي بدأ عندما تغيرت قواعد الترشيح، وأصبحت الأمانة العامة تطلب من الجمعيات الكشفية العربية قبل كل مؤتمر كشفي عربي أن ترشح أحد أعضائها للقلادة، وللأسف في أغلب الجمعيات وجدنا أن من يجلس على مقعد الجمعية يرشح نفسه، فهو لا يضمن أن تواتيه الفرصة مرة أخرى، وإن كان سبق له الحصول على هذا التكريم من قبل لا يدقق في من يرشحه، فتدخل المحسوبية ومساحة القرب والبعد عن منطقة السلطة في تلك الحسابات، وترسل الترشيحات للأمانة العامة التي تسلمها للجنة القلادة، التي تصدر توصيتها ويصدر القرار بالترشيح من اللجنة الكشفية العربية.

وهذه الآلية في عملية الترشح للقلادة العربية هي التي أوجدت هذا الخلل، وأصبح هناك تباين واضح في مستوى الحاصلين على القلادة، حتى أن الكثير يتساءلون: هل يتساوى فلان مع فلان؟ في نفس قائمة المرشحين للقلادة؟، وهذا الأمر بلا شك قد أضعف قيمة القلادة والتي بالكاد تنطبق شروطها على كثير من المرشحين.

والأمر الذي يغيب عن الكثيرين في الجمعيات الكشفية العربية أن المترشح لقلادة الكشاف العربي يجب أن يكون له دور فعلي على المستوى العربي في المخيمات والمؤتمرات واللقاءات والندوات، وعضوية اللجان، أما القادة الذين يقومون بأدوار عظيمة على المستوى الوطني في بلدانهم ومع جمعياتهم، فجمعياتهم هي المناط بها تكريمهم محليا، وليس الأمانة العامة عربيا، ولو فهم الكثيرون ذلك لما سمعنا كلمة، ولماذا فلان قد رشح وليس أنا؟.

هذا وقد حاولت الأمانة تدارك ذلك منذ المؤتمر الكشفي العربي ال26 الذي عقد في الخرطوم، فابتكرت وسام (الهدهد)، ويتم منحه للقيادات الميدانية وأعضاء اللجان من القيادات الوسيطة التي تبذل جهدا ملموسا مع الأمانة العامة، ولكن لازال الأمر لا يرضي الكثيرين مشيرين إلى أنهم أولى من هؤلاء الممنوحين دون أن ينظروا لما قدمه هؤلاء من جهد وهذا حق الأمانة العامة في المنح وليس حق الجمعيات، وليت الكل يعلم ذلك حتى يهدؤوا ويستريحوا.

والسؤال الأخير بشفافية: هل منح القلادة العربية فيه مجاملات؟، وأقول: نعم فيه مجاملات ومنذ البدايات الأولى لمنح هذا الوسام، وقد حكى لي المرحوم القائد/ علي الدندشي ذات يوم (أن أول من حصل على قلادة الكشاف العربي كان كلا من المرحومين القائد/ جمال خشبة من مصر والقائد/علي خليفة الزائدي من ليبيا وذلك بناء على قرار من المؤتمر الكشفي العربي السابع الذي عقد في ليبيا عام 1966م، وتوقف منح القلادة بعد ذلك عشر سنوات أقيم خلالها خمس مؤتمرات عربية دون أن يتم منح أي قائد القلادة، إلا أنه خلال المؤتمر الكشفي العربي الثاني عشر الذي عقد في تونس عام 1976 أي بعد عشر سنوات قرر المؤتمر منح القلادة مرة أخرى لمجموعة جديدة من القادة وكان مقررا أن يمنح خمس قيادات عربية فقط في كل مؤتمر، إلا أنه حدث لغط شديد بين السادة أعضاء اللجنة العربية كل منهم آنذاك يدعي أحقيته دون الآخر ويصر على ترشيح نفسه)، فيقول الدندشي: (لما وجدنا الأمر كذلك خرجنا من القاعة أنا والقائد عزيز بكير حتى لا نخوض في هذا الجدال، وانتهى الأمر بأن رشحوا عشرة قادة بدلا من خمسة إرضاء للبعض).

وطوال السنوات الماضية حدثت بعض المجاملات ولكنها كانت محدودة جدا، وكانت تحت السيطرة، وليست بصورة فجة، وليس بالشكل الذي نراه الآن.

وإنني أطالب اليوم المؤتمر الكشفي العربي واللجنة الكشفية العربية، وأمانتها العامة بإعداد مشروع جديد ينظم عملية منح قلادة الكشاف العربي ووسام الهدهد، وإعادة دور لجنة القلادة العربية إلى سابقه، وأن يترك لها ترشيح القادة للقلادة ولا يترك هذا الأمر للجمعيات الكشفية العربية، وأن يتم اختيار لجنة نزيهم من كبار القيادات العربية يتم تذكيتهم من قبل المؤتمر العربي أو اللجنة العربية، ممن يتوفر لديهم الخبرة الكبيرة والمعرفة الميدانية بالقيادات العربية التي تعمل بإخلاص، فيا سادة إن قواعد الشفافية والحوكمة لا تعطي الحق في من يتسيدون الجمعيات أن يرشحوا أنفسهم، حتى ندرك المعنى الحقيقي للتكريم ، وحتى لا يكون التكريم بلا معنى.