تباين الغايات بين منطلقات الكشافة العربية والغربية، تذكروهم وتذكروا أمجادهم كيف بنوها ولماذا آمنوا بها؟

تباين الغايات بين منطلقات الكشافة العربية والغربية، تذكروهم وتذكروا أمجادهم كيف بنوها ولماذا آمنوا بها؟

تباين الغايات بين منطلقات الكشافة العربية والغربية
تذكروهم وتذكروا أمجادهم كيف بنوها ولماذا آمنوا بها؟

بقلم / هشام عبد السلام موسى
3 أغسطس 2019

لعل مقالي الذي نشرته بالأمس سبب صدمة للكثيرين من محبي الكشافة وأنا منهم، وقد يعود السبب في النظرة لشخصية بادن باول على أنه يمثل الكشفية، فعندما تذكر الكشفية يُذكر بادن باول، وقد تسبب بعض الحقائق المؤلمة عن الشخصية حساسية لدى البعض من أن كون ذلك يؤثر في النهاية على صورة الكشفية، وفي لحقيقة أن مقالي ليس من أهدافه هدم صورة أحد ولا تحسين صورة أحد، أنا أتحدث بمنهجية بحثية علمية حول تاريخ مجرد من حقنا جميعا أن نطلع عليه.

وفي مقالي اليوم الذي أعتبره استمرارا للتحليل التاريخي الذي بدأته بالأمس سأحدثكم عن التباين في الغايات بين منطلقات الكشافة العربية ومنطلقات الكشافة التي أسسها بادن باول، والذي يطمئننا إلى أن قيمنا ومبادئنا وأهدافنا الكشفية لم تكن وريثة لمجرم حرب، إنما كانت من منطلقات قيمية وتربوية ووطنية تخص منطقتنا العربية؛ حتى وإن كانت ترتدي ثوب انتمائها للكشافة العالمية، وهي جديرة بأن نعتز ونفخر ونتمسك بها، ونحافظ على منطلقاتها لأنها تعبير عنا في حقيقة الأمر.

أولا - منطلقات الكشافة العالمية:

• 1906 عاد الضابط روبرت اسميث بادن باول إلى بريطانيا منتصرا بعد أن استطاع أن يفك الحصار عن حاميته في حروب البوير في أفريقيا، وبعد أن سبقته أخبار انتصاراته، فاستقبله البريطانيون استقبال الفاتحين، ومنحته الملكة لقب سير، وكان ذلك نهاية رحلة بادن باول في خدمته العسكرية التي خدم فيها تاج الامبروطورية الإنجليزية في مستعمرات لا تغيب عنها الشمس في كل من الهند وأفريقيا، وغيرها من المناطق حول العالم، وقد عاد من رحلته تلك بتجربة غنية عن تلك الشعوب، وكيفية تربية أبنائها على مواجهة ظروف الحياة، والاعتماد على النفس.

• سرعان ما لاحظ بادن باول ما يعانيه شباب بريطانيا –آنذاك- من تدلل ورعونة تصل إلى حد الميوعة والتهتك، وهذه ظواهر غالبا من تنشأ في أي مجتمع نتيجة الوفرة الاقتصادية، وكانت بريطانيا وقتها أقوى دول العالم أنذاك، بل وكانت امبروطورية لا تغيب عنها الشمس، حيث تنتشر مستعمراتها والمناطق التي تسيطر عليها في أغلب بقاع العالم، مما أصاب المجتمع الإنجليزي بالرخاوة في حياة مليئة بالرفاهية، ومظاهر التباهي.

• ظل بادن باول طوال الوقت غير راض عن ما أصاب فتية وشباب مجتمعه من هذه المظاهر من الميوعة والرعونة، مستحضرا في ذهنه تلك النماذج من الفتية والشباب الذين شاهدهم في الهند وأفريقيا، الذين يتم تنشأتهم معتمدين على أنفسهم كرجال بمعنى الكلمة منذ طفولتهم، وكتب بادن باول عن تجربة التربية تلك من خلال مشاهداته، فأصدر كتابه الشهير (الكشف للفتيان)، الذي نال استحسانا واسعا من خبراء التربية في ذلك الوقت ومن بينهم (جون ديوي) وآخرين، بل وطالبه البعض بعمل تجربة لتطبيق أفكاره تلك ميدانيا، فكان ذلك الحافز لقيامه بإقامة أول مخيم كشفي لمجموعة من الفتيان من أبناء أصدقائه في جزيرة بروان سي عام 1907، والذي كان بمثابة تاريخ لانطلاق الكشفية في العالم.

• ووفق ما أورده الدكتور/ لازلو ناجي- السكرتير العام الأسبق للمنظمة الكشفية العالمية في كتابه الشهير (250 مليون كشاف)، قال: (كتب بادن باول في مذكراته أنه لم يكن يقصد على الإطلاق أن تصبح الكشافة عالمية، ولكنها انتشرت بالصدفة، وأن هدفه من إقامتها كان لمعالجة الظواهر السلوكية التي لم يعجبه انتشارها في بلده)، وبعد تجربة بروان سي سرعان ما انتشرت الكشفية في عموم بريطانيا، ومنها إلى مستعمراتها حول العالم، ثم إلى مناطق أخرى من العالم.

• ورغم أن الحركة تعرضت لهزات عنيفة إبان الحرب العالمية الثانية عام 1936م، وحتى عام 1941م؛ حيث توقفت الأحداث العالمية لفترة من الزمن، إلا أنها استطاعت –آنذاك- أن تقوم من عثرتها، وكان عنصر القوة في الحركة نابع من أن أعضائها في مختلف البلدان التي دخلت الحرب كانوا يمثلون الصف الثاني للجيوش من خلال أدائهم للخدمات التطوعية الجليلة لبلدانهم في مجال إغاثة المنكوبين، وأعمال الدفاع المدني، والإسعافات الأولية للجرحى، وخلاف ذلك من الخدمات.

• الأمر الذي ولد لدى تلك المجتمعات الثقة في تلك الحركة الشبابية الناهضة، ولكونها حركة تهدف إلى المساهمة في تربية النشء وإعدادهم الإعداد الصحيح، نظرت المجتمعات الأوروبية المتحاربة آنذاك -فترة ما بعد الحرب العالمية- إلى الحركة الكشفية على أنها مؤهلة للقيام بدور عالمي لترسيخ فكرة الإخاء والسلام العالمي، والدعوة لأن تكون الحركة الكشفية والإرشادية هي حركة للسلام وتكريس روابط الأخوة والصداقة بين الشباب في العالم، من خلال عقد مزيد من اللقاءات والمخيمات والأنشطة بين حركات الكشافة والمرشدات في تلك الدول.

• حيث كانت هناك حاجة ماسة لدى الجميع لإزالة الآثار النفسية للحرب لدى جيل صاعد من الشباب، فلا يمكن أن يتصور –على سبيل المثال- أن تظل صورة ألمانيا لدى الشباب الفرنسي، هي صورة النازي الغاصب المدمر لبلدهم، ولم يكن من المتصور أن تظل أمريكا لدى الشباب الياباني، هي صورة الوحش غير الإنساني الذي يقتل مئات الآلاف من المدنيين بقنبلة واحدة تلقى على هيروشيما.

• وبعد فترة من الحرب التي حصدت عشرات الملايين من البشر هنا وهناك، أحست شعوب العالم برغبتها في نسيان تلك الصفحة المريرة في التاريخ البشري، وكان لابد من طي هذه الصفحة، وبناء جدران جديدة من الثقة في المجتمع العالمي الذي بادر إلى بناء مؤسسات دولية تكرس مثل هذا الشعور الجماعي بالتضامن، وبشكل يوفر للجميع الأمن والاستقرار.

ثانيا - منطلقات الكشافة العربية:

• لا نستطيع أن نتغافل عن أن الحركة الكشفية في المنطقة العربية كان أول من احتضنها هو المؤسسة الدينية الإسلامية أيضا كما حدث في لبنان على يد الشيخ الجليل توفيق الهبري الذي أنشأ عام 1912م أول فرقة كشفية في الوطن العربي عرفت باسم الكشاف العثماني، ثم بعد انهيار الدولة العثمانية عدل المسمى ليكون الكشاف المسلم اللبناني، والذي خرج من عباءته كشاف سوريا، كما أنشأت الكشافة الإسلامية في كل من فلسطين والأردن، وفي مصر كانت كشافة الشبان المسلمين المصرية من أقوى الفرق التي تم تأسيسها أنذاك فترة الثلاثينيات ومن بينها (الجوالة الثانية) التي خرجت عدد كبير من رواد الحركة الكشفية في مصر والعالم العربي.

• كذلك استفاد جماعة الإخوان المسلمين من نشاط الجوالة حيث أسس الإمام حسن البنا زعيم الإخوان أنذاك جوالة الإخوان المسلمين التي اتخذت منحى جهادي ساهم في العمليات الفدائية في فلسطين مابين 1942-1948م.

• وفي تونس والجزائر والمغرب تأسست في الثلاثينيات جمعيات كشفية باسم الكشاف المسلم التونسي، والكشفية الإسلامية الجزائرية، والكشاف المسلم المغربي، وكان نشاط هذه الجمعيات حقيقة نشاط جهادي ضد المستعمر، يقوده قادة أشاوس مثل المنجي بالي في تونس، ومحمد بوراس في الجزائر، وغيرهم العشرات بل المئات من القيادات العربية الجادة.

• ولو عدنا إلى تحليل هذه الظاهرة في المجتمع العربي لوجدناها أخذت هذه المسميات لعدة أسباب منها: إقناع المجتمع العربي الذي ينطلق من منطلق ديني بعدم وجود أي شبهة في هذه الجمعيات الكشفية؛ فرغم أن مؤسسها عالميا هو لورد إنجليزي، وضابط سابق في الامبروطورية المستعمرة كان ينظر إليه على أنه مستعمر، ونعلم مدى حساسية العربي من الاستعمار وما يأتي منه في تلك الحقبة، إلا أن هذه الحركة تنطلق عربيا من خلفية عربية إسلامية صرفة، ولم تأخذ من الحركة العالمية سوى الشكل والتنظيم، وهذا ما جعل البعض يطلب من فضيلة الشيخ المرحوم أحمد عبده الشرباصي أن يكتب كتابه المعروف (الحركة الكشفية عربية الأصول والمصادر).

• ومن ناحية أخرى أراد مؤسسوا الحركة الكشفية العربية أن يميزونها عن الحركات الكشفية الأجنبية التي كانت تصاحب الجاليات المستعمرة في مختلف البلدان العربية آنذاك. ومن ناحية أخرى كان الاتجاه الإسلامي يقود حركة الجهاد ضد المستعمر في العديد من البلدان العربية، فكان من الطبيعي أن يذَيل اسم هذه الجمعيات بالإسلامية تماشيا مع هذا الاتجاه.

• في الجهة المقابلة للمجتمع الغربي كان لدى الحركات الكشفية والإرشادية في المجتمع العربي غايات أخرى غير إزالة الآثار النفسية للحرب العالمية، وتمثلت تلك الغايات في المساهمة بلعب دور وطني في حركات التحرير من المستعمر الأجنبي الفرنسي والإنجليزي والإيطالي، ومحاولة إيجاد شكل من العمل الكشفي العربي المشترك، وبدأ ذلك مقترنا بظهور حركة القوميين العرب عام 1934م حيث أقيم تجمع للشباب العربي في بلودان بسوريا، ثم عقد تجمع كشفي عربي آخر عام 1938م في نفس المكان.

• وقد شهدت تلك الفترة حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي تبادل للزيارات بين شباب الكشافة من مختلف البلدان العربية في كل من لبنان، وسوريا، ومصر، وفلسطين، والعراق، والأردن، وتونس، واستمر ذلك حتى عام 1954م، حيث أعلن تأسيس التنظيم العربي للكشافة برعاية من جامعة الدول العربية.

• وشهدت تلك المرحلة وما بعدها الثورات وحركات التحرر في البلدان العربية والتي استمرت حتى العقد السابع من القرن الماضي، وفي عديد من البلدان العربية اعتبرت الحركة الكشفية شريكة في الكفاح الوطني ضد المستعمر، وفي بلدان أخرى اعتبرت الحركة الكشفية شكل من أشكال النشاط الشبابي المنظم.

• حتى في مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 اعتبر جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار أن الحركة الكشفية حركة استعمارية فسعوا لإيقافها في بداية الأمر، إلا أن قيادات الكشافة المخلصين في مصر استطاعوا أن يبرهنوا أن الكشافة حركة تربية وقيم بصرف النظر عن مؤسسها، أو دولة منشئها في بريطانيا الاستعمارية، فتحولت نظرة عبد الناصر إلى النقيض وبدا داعما بقوة الكشافة فجعل على رأسها في ذلك الوقت السيد/حسين الشافعي أحد الظباط الأحرار، بل أكثر من ذلك أسسوا جمعيات كشفية نوعية (الفتيان والبحرية والجوية) لتكون رديفا لقطاعات الجيش (المشاة والبحرية والجوية)، واعتبروا الكشافة خط دفاع ثاني في الجبهة الداخلية المصرية، لمواجهة العدوان على مصر، وأذكر على سبيل المثال أننا في الكشافة الجوية كنا نتدرب على تمييز الطائرات العدوة من الطائرات الصديقة.

• نخلص مما سبق إلى أن الحركة الكشفية لم تكن غاياتها واحدة في يوم من الأيام ولا في كل مكان، ولا أدعي أن كشفيتنا غير كشفيتهم، ولكن أقول أن منطلقاتنا غير منطلقاتها، ودوافعنا للكشفية غير دوافعهم، وقيمنا في الكشفية غير قيمهم.

• وكما أسلفت أنه في الفترة التي كان ينظر فيها الغرب للحركة على أنها وسيلة لإزالة الآثار النفسية للحرب وتكريس فكرة الإخاء والسلام العالمي، كان ينظر إليها العرب على أنها وسيلة لإزالة سلطان الغرب المتمثل في الاستعمار الذي أنشأ فكرة الكشافة، وتكريسا لقيم عربية أصيلة، ومبادئ لم ولن تتعارض من أدياننا السماوية في المنطقة، وتعزيزا لفكر قومي يدعوا للإخاء العربي والوحدة بين الشباب العربي.

وختاما..

أود أن أؤكد على أن انحراف الكشافة العالمية عن مسارها، وتخليها عن كثير من مقوماتها التي نشأت من أجلها، واستمرت بفعل القوة الذاتية الكامنة فيها، أو محاولة تحويلها من حركة قيمية إلى مجرد حركة منفذة لسياسات وإملاءات تتعارض مع منظومتها، هو ما يجعلنا اليوم وبكل قوة نقف ونقول لا لهذه المحاولات، ونرفض هذه الإملاءات التي إن كانت المجتمعات الغربية تتقبلها مثل ظواهر المثليين والسحاقيات، فللغرب منطلقاته، أما نحن كعرب فلنا منطلقات مختلفة تماما سنظل نسعى جاهدين للمحافظة عليها.

وهذا ما يدعونا اليوم لضرورة وقفة وهبة واحدة نعلن فيها رفضنا لأي محاولا لتذويب هويتنا الكشفية العربية، أو تمرير أي سلوكيات تتنافى مع قيمنا وأدياننا، ونطالب بقوة بفصل بين منظمتنا الكشفية العربية، والإقليم الكشفي العربي التابع للمنظمة الكشفية العالمية.

وأن نطالب وبقوة وبشدة أن مكتسبات الكشافة العربية تبقى للكشافة العربية، ولا نسمح لأحد بالسطو على مقدراتنا، وإلا اعتبرناه نوع من القرصنة الكشفية العالمية على الكشافة العربية.

اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد، ولكم عقول تفقهون بها.