هل حقا كان بادن باول مجرم حرب؟؟!!

هل حقا كان بادن باول مجرم حرب؟؟!!

هل حقا كان بادن باول مجرم حرب؟؟!!

تحقيق / هشام عبد السلام موسى

2 أغسطس 2019

(صدمة منتظرة لملايين الكشافة في العالم ... اللورد بادن باول .. مجرم حرب؟) 
مقال نشرته جريدة الاتحاد الإماراتية في عددها رقم (8720)

مقدمة بقلم/ هشام عبد السلام موسى:
نشرت جريدة الاتحاد الإماراتية في عددها رقم (8720) في صفحتها رقم (15) مقالا لفت انتباهي بشدة، لأنه يتعلق بحركتنا الكشفية التي نقدر أهدافها، ونحترم مبادئها وتربينا على قيمها وطريقتها، وكان ما قرأته في الحقيقة صادما لي، كما سيكون صادما لكم؛ لأنه يحتوى من الحقائق التاريخية ما يتنافى مع كل ما نعرفه عن شخصية اللورد بادن باول مؤسس الحركة الكشفية، وتاريخه.

وأود أن أذكر هنا كباحث مهتم بالتاريخ الكشفي العربي والعالمي، أن نشري لهذا الموضوع ليس من قبيل إحداث أي نوع من البلبلة في صفوف الملايين المنتمين للحركة الكشفية والذين يؤمنون بها كما أؤمن بها تماما، ولكن من باب فتح ملفات التاريخ المغلقة التي لا يعلم عنها أحد شيئا، ومن حقنا أن نعرف الحقيقة كما هي وليس كما أُريد لنا أن نعرف، والتي ظلت مغلقة تماما لعقود طويلة؛ كي نفهم ونعرف منها الكثير من الحقائق التي نعتقد أنها حقائق، ولكنها في الحقيقة كانت تغطيات إعلامية لتحسين الصورة، أو لتغييب وتغيير الصورة التي يُراد لنا أن لا نعلمها ككثير من الخلفيات والحقائق التي لا يتم الإفصاح عنها إلا بعد عقود من حدوثها وفق السياسات المتبعة في بعض الدول كبريطانيا وغيرها.

وأود أن أؤكد أنه من الضروري أن نفرق بين إيماننا بالفكرة وإيماننا بالأشخاص، فقد قضينا أعمارنا في الكشفية ونحن نؤمن بالكشفية كفكرة للتربية، بصرف النظر عن صاحب الفكرة الذي هو بادن باول، الذي قد يكون إنسانا، أو يكون مجرم حرب كما وصفه الكاتب (بات هوبكنز)، وقد اجتهدت أن أتعرف أكثر إلى كاتب المقال كي أعرف من هو، وتوصلت إلى ما يلي من معلومات عن الكاتب:

(بات هوبكنز) هو مؤلف غزير الإنتاج من جنوب أفريقيا وتوفي في الثامن من نوفمبر 2010 في جوهانسبرغ. كان في السادسة والخمسين من عمره، والمعلومات المتعلقة بحياة هوبكنز هي معلومات ضئيلة، وهو أمر يثير الدهشة إلى حد ما بالنظر إلى أنه كتب ما يزيد عن عشرين كتابًا.

و (بات هوبكينز) هو خريج التاريخ والعلوم السياسية من جامعة ناتال، وحاصل على العديدمن الجوائز، وهو صحفي، ورحالة، ومؤلف وله علاقات واسعة مع شخصيات لها ثقلها الاجتماعي، وقد تخصص كباحث في قضايا الثقافة والسياسة والتاريخ في جنوب إفريقيا.

ومن بين مؤلفات هوبكنز ما يلي: The Boy - و Cringe the Beloved Country- والمكان: مجموعة من عروض المناظر الطبيعية لجنوب إفريقيا- وWorst Journeys - و101 Beloved Bars of South Africa - و Voelvry: The Movement التي هزت جنوب إفريقيا- وEccentric South Africa - Ghosts of جنوب إفريقيا- وجنوب إفريقيا عبر الطريق- Padlangs deur Suid-Afrika: 'n Streek-vir-Streek – جوني جوليتلي يأتي إلى المنزل- وكتاب الحقائق في جنوب إفريقيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وإليكم نص ما نشرته جريدة الإتحاد الإماراتية في عددها رقم 8720)

 

بادن باول مجرم حرب
(صدمة منتظرة لملايين الكشافة في العالم ... اللورد بادن باول .. مجرم حرب؟)

جوهانسبرج – خاص:

لاشك أن الكثيرين في العالم سيصابون بالذهول حين يقرأون في يونيو المقبل كتاب (بات هوبكينز) حول حصار مدينة (مافكينج) في جنوب أفريقيا إبان حرب البوير الثانية (1899-1902) ففي رأيه أن الجنرال البريطاني (روبرت بادن باول) الذي فك الحصار عن المدينة، والذي أسس الحركة الكشفية عام 1907 لم يكن سوى مجرم حرب؟.

ويقول أن هذا الرجل الذي كان معجبا بهتلر وموسيليني استخدم الأفارقة السود في الدفاع عن المدينة، وهم الذين صدوا كل الهجمات التي تعرضت لها، كما استخدمهم للاستطلاع، والقتال في الصفوف الخلفية للبوير فضلا عن سرقة المواشي لتأمين الغذاء، ولكن ليقضي عليهم في نهاية المطاف جوعا.

(أورينت برس) تعرض لبعض ما قاله (هوبكنز)

عندما يصدر كتاب (بات هوكينز) في يونيو المقبل، فالثابت أنه سيصدم الملايين بل ومثات الملايين في العالم الذين كانوا يجدون في مؤسس الكشافة البريطاني، روبرت بادن باول مثال الرجل الذي حاول أن يطلق أجيالا بعيدة كليا عن المستنقع السياسي،وتعمل من أجل الكرامة البشرية، مع تقديم العون وبمنتهى الأريحية إلى من يحتاج إليها.

عنوان الكتاب هو (قصة حصار مافكينج وخيانة السكان السود)،وما يعني المؤلف كما يقول هو الحقيقة، بل والانتهاء إلى الحقيقة، فثمة العديد من السود تحت التراب يتساءلون، ألم يحن الوقت بعد للقبض على القاتل؟؟.

متغطرس وأناني

في مقال نشره (هوبكينز) في صحيفة (الصنداي اندبيندنت) التي تصدرفي جوهانسبرج، يقول أن الكثيرين يرون في (بادن باول) بطل حرب البوير الثانية (1899- 1902) التي شنها البوير ضد الأمبراطورية البريطانية في جنوب أفريقيا، أما الحقيقة فهذا الرجل الذي ارتبط اسمه بالحركة الكشفية،إنما كان متغطرسا وأنانيا، ويفتقد الحد الأدنى من الحس الإنساني، إنه هو الذي كتب عن مدينة مافكينج التي ظلت تحت الحصار 217 يوما (كل شيئ على ما يرام، إذ أن أربع ساعات من القصف لم يؤد إلا إلى مصرع كلب) مع أن العديد من الزنوج سقطوا في القصف.

وفي مساء الجمعة 18 مايو 1900، وصلت إلى لندن برقية بعثت بها وكالة رويترز للأنباء (لقد أفلتت مافكينج من الحصار) فسارعت صحيفة التايمز إلى إصدار عدد خاص حملته الباعة على وجه السرعة وراحوا يصيحون في شوارع العاصمة البريطانية حول مضمون البرقية، فتوقف عرض المسرحيات، وتليت البيانات الرسمية في الحفلات الراقصة، والفنادق، والمقاصف بحيث وقف الزبائن كما لو أنهم رجل واحد لينشدو (االله يحمي الملكة)، وفي الحال عمدت الملكة فيكتوريا إلى ترقية بادن باول من رتبة كولونيل إلى رتبة جنرال.

ورغم ألاف من الضحايا السود، إلا أنه بلا ريب أن التسويق الإعلامي جعل المدينة إلى التاريخ، فيما كان بادن باول يتقن جيدا لعبة التذوق بطعم المجد.

ولكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: كيف تمكن الرجل من تمديد الحصار على ذلك النحو في ظل اختلال واضح في القوى، والجواب عند (بات هوبكينز)، الذييقول إن المسألة في منتهى السهولة، فقد استخدم بادن باول السود في الهجمات الدفاعية، كدروع بشرية مجانية تحمي الدم الأبيض في تلك المنطقة التي تكتظ بالماس والذهب والثروات الأخرى التي كانت الملكة فيكتوريا من خلالها أن تغدو سيدة العالم.

لم تقتصر مهمة السود على الدفاع فحسب، بل استخدمهم بادن باول للاستطلاع ولإرسال البريد،وأيضا للسطو على المواشي لتأمين المؤونة للجنود والسكان، هذا بالإضافة إلى تنفيذ عمليات انتحارية في الصفوف الخلفية للبوير الذين في كل مرة كانوا يندفعون لاختراق المدينة كانوا يواجهون ببسالة نادرة من السود، فالمؤرخون يؤكدون أنه لو اعتمد بادن باول على البيض في صد الحصار لما استغرق الأمر 217 ساعة بدلا من 217 يوم.

أولئك السود الذين هم النجوم الحقيقيون لتلك المعركة التي تدرس بدقة للتلامذة البريطانيين على أنها رمز للصمود، ولطالما اعتمدت كمثال إبان القصف النازي للجزر البريطانية، ولم يكونوا يحصلون إلا على القليل القليل من القوت، وحين كانت تتضاءل المؤونة كان السود يرغمون إما على مغادرة المدينة أو الموت جوعا.

مجرم حرب

(هوبكينز) ينقل عن بادن باول وضباطه هذه العبارة: (ارحلوا أو موتوا جوعا) ليصف بادن باول بأن أقل ما يوصف بأنه هذا الموقف بأنه جريمة ضد الإنسانية تجعل من الضروري محاكمة بادن باول كمجرم حرب.

وعلى كل فالجنرال البويري (سيتمان) لم يكن أقل وحشية في التعامل مع السود المقاومين، إذ أن قراره كان جعل المدينة بكاملها تموت جوعا، وحين كان جنوده يشاهدون السود وهم يتسللون بحثا عن حياة ما خارج مقبرة بادن باول كانوا يطلقون عليهم النار أو يرغمونهم على العودة من حيث أتوا، فكان الزنوج بين نارين إما التضور جوعا وحتى الموت في الطرقات أو يطاردوا كما الحيوانات الهائمة من قبل البوير.

لكن المأساة تبدو أكبر حسب قول هوبكينز الذي يكشف أن بادن باول وحاشيته كانوا يخزنون كميات كبيرة من المواد الغذائية تحول دون أي كان والموت بهذه الطريقة، وكان الهدف من الخزن هو رفع الأسعار وجمع الثروات، ولعل الأسوأ ما حدث في يناير 1900 فقد رفض بادن باول فكرة زعيم الـ (تشيدي بارولونج) و(بسلز مونتشيوا) بتسليح أفراد أبناء عرقه ليتمكنوا من مقاتلة قوات البويري (ستيمان) ورفع الحصار، فقام بادن باول بخلع (بسلز مونتشيوا) من منصبه والتضحية بآلاف الناس على مذبح مجده الشخصي الذي ما برحت تشوهه أخطاؤه حتى الآن.

ويضيف (هوبكينز) إن مؤسس الكشفية كان منذ صغره يتمتع بشخصية حيوية وخشنة، حتى إذا ما أصبح شابا (حيث ولدعام 1853 وتوفي عام 1941)، فقد احتفظ بشاربين بوجهه الجميل الذي كان يزينه شاربان مرسومان بدقة جعلاه يظهر أكثر نضجا وكانت تبدو على محياه إمارات التودد والألفة وعيناه فقط كانتا باردتين وقاسيتين، لكنه حاول دائما أن يخفي هذه القسوة بتدخين السيجارة بصورة رومانسية أو بترديد الأغنيات الهزلية، ناهيك بالنكات الجريئة، هذا الرجل بالذات كان يمكن أن يكون شاعرا أو كاهنا أو رحالة، يختص بعلم القبائل أو بعلم الطيور وظل على مدى عشرين عاما يطارد الزنوج من الكاب إلى القاهرة، ولقد ورث عن والده القس البروتستانتي وأحد أتباع (تشارلز داروين) في نظريته الانتقائية، روحا ذات مظهر نبيل لكنها في الحقيقة كانت تنطوي على أفكار عنصرية.

ولعله تساءل أكثر من مرة (لماذا الزنوج هناك؟)، ولاشك أنه وبأفكاره الدروينية، كان يعتقد أنه يلزم أولئك السود مئات وربما آلاف السنين لكي يتحولوا إلى اللون الأبيض.

البريطانيون تعاملوا مع حصار مافكينج الذي بدأ في 13 أكتوبر 1899 على أنه مفخرة قلما عرفت في مكان آخر في قدرة جيش ما على الدفاع عن مواقعه فقد جند الجنرال (بيت كرونج) نحو سبعة آلاف بويري من أجل الاستيلاء على المدينة لكنه عرف كيف يرتكب ذلك الخطأ التكتيكي الذي قاد هؤلاء الجنود إلى المصيدة ودون الاستهانة بالكفاءة العسكرية لبادنباول الذي كان مخططا بارعا.

وكما هو معروف فقد سلم الجنرال البويري (سيتمان) الذي يفتقد أي كفاءة، لم يكن يتصور أحد مثل تلك الهزيمة لكن هذا ما حدث فعلا، وتحول المدافع البريطاني إلى نجم ويقصد بادن باول.

دم من أجل المجد

الحصار كلف ألفي قتيل، ولكن لماذا يفترض أن يكون نصفهم من الأفارقة السود مادامت حربا بين البوير والبريطانيين، والسود قضوا جوعا، وتبعا لما كتبه (فيلسون يونغ) مراسل صحيفة (مانشيستر غارديان) التي تحولت إلى (الغارديان) في وقت لاحق، فإنه قد أصيب بالذهول عندما دخل إلى المدينة في أعقاب فك الحصار فقال: (لا أبالغ أبدا إذا قلت إن كل منازل المدينة تقريبا قد أصيبت بالقذائف أو الطلقات، وكان السكان البيض يلقون باللائمة على بادن باول فيما كابدوه لأنهم كانوا يعتقدون أنه أطال عن عمد مدة الحصار لتعزيز سمعته الشخصية، فكلما طالت هذه المدة كلما كان الدخول إلى التاريخ بالأحذية الثقيلة أكثر دويا.

ويتحدث هوبكينز واصفا صورة أخرى من عنصرية الرجل، فالتمييز بدأ حتى في طريقة معاملة المجرمين، فكان السود يحكمون بالجلد أو بالإعدام، ولم يكن البيض يواجهون مثل هذه العقوبة حتى لو ارتكبوا جرائم أكثر بكثير، ولم يتردد في إعطاء الأوامر بإطلاق النار على زنجي اشتبه بأنه يتجسس يوم عيد الميلاد.

ولكن ما فعله بـ (التشيدي بارولونج) لا يقل هولا فبعدما وضعت الحرب أوزارها حنث بوعوده التي قدمها لهم بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بهم، بل ذهب بعيدا في الكذب حين أبلغ اللجنة الملكية حول الحرب بأنه حاول استخدام (التشيدي بارولونج) في أثناء الحصار، لكنهم وفي أول هجوم على المدينة لاذوا بالفرار، وهذا جعل من غير الممكن إقامة أي نوع من أنواع التعاون العسكري معهم.

الإعجاب بهتلر وموسوليني

وفي هذا السياق، فقد اتهم (صول بلانجيه) الذي كان يعمل مترجما إبان حصار مافكينج بادن باول بالكذب المتعمد والمعيب، ولقد صدم التعامل البريطاني مع الحقيقة (بلاتجيه) الذي مضى إلى أكثر المواقف تشددا منخرطا فيذلك النهج السياسي الذي أفضى إلى إنشاء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وهو حزب الرئيس الجنوب أفريقي (نيلسون مانديلا) الذي أمضى 27 عاما وراء القضبان قبل أن ينهار النظام العنصري.

(هوبكينز) يذهب في إتهامه إلى أبعد من ذلك، فهو يقول إن بادن باول كان معجبا بشخصيتي الزعيم النازي (أودولف هتلر)، والفاشيستي (بنيتو موسيليني)، وقد ترك الخدمة العسكرية لينشئ الحركة الكشفية عام 1907، وكما هو معروف فإن الكتب التي تؤرخ للكشفية تغفل كليا ذكر السود لتقول أن بادن باول أنشأ خلال حصار مافكينج وحدة من الأحداث تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والسادسة عشرة من أجل نقل الرسائل والاستكشاف، وبين 29 يوليو و9 أغسطس 1902 جمع 22 كشافا الأوائل في جزيرة براونسي البريطانية ليطلق من هناك مشروع الكشفية التي ما لبث أن انتقل إلى كل أنحاء العالم.

والمشكلة بالنسبة إلى (هوبكينز) أن ملايين الشبان في العالم ينظرون إلى بادن باول، أما هو فلا يجد فيه أكثر من وحش ابيض ويضيف أن ثمة اثنين يستحقان لقب البطولة، الأول هو (صول بلاتجيه) الذي أبدى حيوية نادرة في الدفاع عن شعبه، والثاني هو رجل حرب العصابات وسارق المواشي (ماتا كونج) لكن هذين حليفين لبريطانيا لم يدخلا الأسطورة كما هو حال (روبرت بادن باول) لسبب بسيط أنهما أسودان.

ختاما:
أكرر ما بدأت به لنمحص تاريخنا ونفرق تماما ما بين الفكرة وصاحب الفكرة