الفروسية في زمن الانبطاح، بقلم هشام عبد السلام موسى

الفروسية في زمن الانبطاح، بقلم هشام عبد السلام موسى

الفروسية في زمن الانبطاح

بقلم/ هشام عبد السلام موسى
2 سبتمبر 2018

علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وعلمني أبي قل الحق ولو على نفسك، وقال لي قادتي الكشاف صادق، والكشاف شجاع يواجه الشدائد بصدر رحب، وأدركت زمن عبد الناصر وهو يقول: اللهم أعطنا القوة لندرك أن الضعفاء لا يصنعون الكرامة، والجبناء لا يصنعون الحرية، والمترددين لن تقو أيديهم المرتعشة على البناء، وقرأت لفيكتور هوجو في رائعته البؤساء عن أخلاق الفرسان، وسمعت لقول مولانا الإمام محمد متولى الشعراوي: إذا لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل، وقرأت لفيلسوف العرب محي الدين بن عربي: وما عليَّ إذا ما قلتُ معتقدي .. دع الجهول يظن الحق عدوانا، وقرأت لعباس العقاد قوله: اذا عجز القلب عن احتواء الصدق عجز اللسان عن قول الحق، وقرأت للأديب يوسف السباعي قوله: الحق مُزعج للذين اعتادوا ترويج الباطل حتى صدقوه، وقرأت للأديب العالمي إرنست همنجواي قوله: أفضل الناس من لديه شجاعة لخوض المخاطر، وإنضباط يُمّكنه من قول الحق.

عشت حياتي أطمح أن أكون وريث ثقافة الحضارة العربية في النجدة والإباء، والكرامة والكبرياء، والكرم والسخاء، عشت أحلم أن أكون المعتصم يلبي نداء امرأة من عمورية وامعتصماه، عشت أحلم أن أكون صلاح الدين إذا سقطت القدس قال لبيك يا قدساه، تمنيت أن أكون الخضر عليه السلام يقيم جدارا تحته كنز لأيتام، وأن أكون موسى عليه السلام يسقي لبنات شعيب، تمنيت أن أكون إبراهيم عليه السلام بعد أن كسر الأصنام أعلق الفأس في رقبة أحدهم وأقول بل فعله كبيرهم هذا، تمنيت أن أكون نوحا عليه السلام يقول: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، تمنيت أن أكون عمر ابن الخطاب يقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

اليوم في زمن الانبطاح.. كلمة الحق ممجوجة مستهجنة، غريب قائلها ينظر إليه كأنه قادم من كوكب آخر، يعاقب مدعي الحق لأنه تجرأ على الباطل ففضحه وكشفه، تصفق له يد وألف يد تتبرأ منه، ومن آمن بالحق يتوارى حتى لا يؤخذ بجريرة قائله، فلا يناصره ولا يؤاذره، بل يخذله ويتوارى منه، صعب أن تكون فارسا في زمن الانبطاح، فإذا تعانقت الأراذل في سماح؛ فلن يكون غير أن تلد الحرائر من سفاح، وإذا طغى الشر وكان انكساره كالكفاح، والخير كان هو الهجين المستباح، والوقت كان من زمان الانبطاح، والجرح يتلو الجرح، حتى تعاظمت الجراح، والدين أضحى كالغريب المستجير من النباح، فلن يقهر الزمن الغريب سوى الشهادة، وبلال يصعد كل مئذنة ينادي للحق حي على الفلاح..

اليوم في زمن الانبطاح.. أنا لن اسلم لجام فرسي لكاذب، ولا لغشاش، ولا لمحتال، ولا لنصاب، ولا لخائن، ولا لغادر، ولن أطوع قلمي في غير الحق، أنا سليل ثقافة الرشد العربي الأصيل من الأنبياء، والصالحين، والمفكرين، والأدباء، والزعماء، والقادة، والمبدعين لخير الإنسانية، أنا ابن أبي، استقيت منه وشربت حتى ارتويت، أنا باق على ظهر فرسي حتى الجولة الأخيرة، لا يلحق بحذائي غبار، وإذا انطفأت كل المصابيح في دربي، فنور الحق باقي، وجذوة الحقيقة لا تنطفئ.. فاجعلوا رهانكم على الحق دوما حتى لا نزيد في حياتنا الكشفية انبطاحا.