الراحلون من عالم الكشفية والجاثمون عليها، بقلم هشام موسى

الراحلون من عالم الكشفية والجاثمون عليها، بقلم هشام موسى

الراحلون من عالم الكشفية والجاثمون عليها
بقلم/ هشام عبد السلام موسى

29 أغسطس 2018

لم تستطع حركة شبابية في العالم أن تصمد كما صمدت الكشفية لأكثر من مئة عام وعشرة، وهنا في عالمنا العربي نرصد كل يوم هنا أو هناك علما من أعلام الكشفية يغادرنا، في هدوء وصمت، لا نسمع عليه نحيبا، ولا صراخا، ولا حتى ألما إلا لمما، ولا اهتماما إعلاميا يعبر عن فداحة الخسارة وعظم الفقيد، وقدر الراحل، كان هنا وغادر، فارقنا وسافر، ودعناه إلى قبره ثم تناثر المعزون.

وفي كل بلد من بلداننا فُقدت قامات، وغابت هامات كانت تحمل على أكتافها صخور الكشفية وغبارها، وملحها، وزبدها، حتى تمهد طريقا سهلا يسيرا لأجيال تلو أجيال من الأطفال والرجال، ولكن القادمون ليسوا كالراحلين، والجاثمون ليسوا كالمتوارين، إلا لمما.

فلن تستطيع كشافة لبنان أن تعوض قيادات بوزن محمد الهبري، وعبد الله دبوس، ومحيي الدين نصولي، ومصطفى فتح الله، ولن تستطيع كشافة سوريا أن تعوض قيادات بوزن علي الدندشي، وأنور تللو، وفايز الدالاتي، ولن تستطيع كشافة مصر أن تعوض قيادات بوزن جمال خشبة وعزيز بكير وعبد الله سلامة، وخالد حسنين باشا، وحسن جوهر، ولن تستطيع كشافة العراق أن تعوض قيادات بوزن بهاء الدين الطباع، وجبار خفاجي، وعبد الرزاق نعمان، ولن تستطيع كشافة الأردن أن تعوض قيادات بوزن إبراهيم نسيبة، وعبد القادر أبو منصور، ولن تستطيع كشافة البحرين أن تقوض قيادات بوزن محمد صالح عبد الرزاق، وحسين شرفي، ولن تستطيع كشافة السودان أن تعوض قيادات بوزن أحمد جمعة المحامي، ولن تستطيع كشافة ليبيا أن تعوض قيادات بوزن علي خليفة الزائدي، ويوسف قنبور، وإبراهيم الشاوش، ود.محمد حسونة فحيمة، ومحمد المنصوري، ولن تستطيع كشافة الجزائر أن تعوض قيادات بوزن محفوظ قداش، ورضا بسطنجي، ومحمد بوراس، ولن تستطيع كشافة تونس أن تعوض قيادات بوزن عبد الله الزواغي والمنجي بالي، ومحمد رشاد الباجي، ولن تستطيع كشافة المغرب أن تعوض قيادات بوزن عبد الكريم الفلوس، ومحمود العلمي، وعبد العزيز الإدريسي القاسمي، ولن تستطيع كشافة السعودية أن تعوض قيادات بوزن عباس حداوي، ونور فارسي، ولن تستطيع كشافة سلطنة عمان أن تعوض قيادات بوزن السيد ثويني بن شهاب، ولن تستطيع كشافة الإمارات أن تعوض قيادات بوزن عيد بخيت المزروعي، وحمد المطوع، وجمعة غريب، ولن تستطيع كشافة فلسطين أن تعوض قادة بوزن فضل الله سرحان، وأحمد عرفات القدوة، وعمر حسين شويكة، ولن تستطيع كشافة الكويت أن تعوض قيادات بوزن عيسى الحمد، وعلي حسن العلي، وعبد العزيز صالح العليان، ولن تستطيع كشافة اليمن أن تعوض قيادات بوزن أحمد محمد لقمان، ومحمد علي صالح الفقيه، وعلي الحبيشي، ولن تستطيع كشافة دولنا العربية أن تعوض أجيالا أخرى من المؤسسين والرواد من الجيل الثاني والثالث والرابع، منهم من قضى نحبه، ومنهم من لازال حيا بيننا أطال الله في أعمارهم جميعا، ومتعهم بالصحة والعافية.

إن كل واحد من هؤلاء القيادات الرموز، هو تاريخ كشفي بذاته، تُكتب فيه الكتب، ونظل نحكي عنهم الأقاصيص والحكايات عن ماذا قدموا للكشفية بإخلاص، وكيف كافحوا من أجلها بتجرد وعزيمة، ويمكننا أن ندلل على بصماتهم الباقية، وآثارهم الخالدة، وأقوالهم المأثورة، ومناهجهم في التربية، ويمكننا أن نعدد القيادات الأعلام الذين تدربوا على أيديهم، وتخرجوا من مدرستهم الكشفية.

وأتساءل عن القادمين الجدد إلى عالم الكشفية، مال لفعلهم باهتا لا يُرى؟، ومال لصوتهم خافتا لا يسمع؟، ومالهم متراخين في حق الكشفية لا يحركون ساكنا للدفاع عنها؟، أو لجلب مكاسب لها؟، ومالهم ينظرون لأنفسهم كيف يستفيدون؟، قبل أن ينظروا كيف يفيدون؟، ومالهم مسلوبي الإرادة كأن على رؤوسهم الطير؟ يتحركون بأمر، ويتوقفون بأمر، ومالهم يتكالبون على مناصب الكشفية قبل أن يتنافسوا في إبداعاتهم في قيادة فرقهم ومجموعاتهم الكشفية؟ فعليهم ان يرسخوا تجربتهم الكشفية الميدانية اولا وان يصنعوا لأنفسهم مجدا وتاريخا كشفيا ليكونوا قدوة للآخرين قبل ان يتصدروا المشهد.

لن يعلم قدر الكشفية، وتأثيرها التربوي، وقيمتها الحقيقية في بناء الفرد، وتنمية ذاته وقدراته، إلا من خاض تجربة قيادة فرقة حقيقية، وإلا من افترش مع فرقته خيمته في الخلاء، وإلا من اعتصر حبل الكشافة دما وهو يربط بوابة أو نموذج ريادة كشفي، وإلا من وقف يوقد نارا في يوم ممطر كي يطهو وجبة في الخلاء، وإلا من شارك فرقته في تخطيط وتنفيذ برامجها، وإلا من دأب على حماية التقاليد الكشفية، وإلا من حرص على ارتداء الزي الكشفي ولم يستعر منه أو يشعر بالخجل من ارتدائه في الشارع وأمام أي مسؤول مهما علا شأنه، وإلا من حرص على حضور الموعد الثابت لاجتماعات فرقته، أو مجلس إدارتها، وإلا من حرص على العناية بسجلات الفرقة ومتابعتها، وإلا من جمع فرقته ليلقنهم تدريبا أو ينقل لهم مهارة، أو يقلد أحد كشافيه شارة هواية أو جدارة، هؤلاء فقط هم من يعلمون قدر الكشفية، أما الذين هبطوا على كراسيها من السماء بلا سابق إنذار، أو وصلوا إلى كراسيها بصراع ديوك، ونزاع جائر، وأساليب ملتوية، وإذا ما استتب لهم الأمر تراخوا في العطاء، ولحسوا وعودهم بجفاء، هؤلاء لن يشعروا بما أقول أو يقدروا تلك القيمة، أو يفهموا حتى ما أقول..

أيها القادمون الجدد إلى عالم الكشفية.. ادخلوها بشرف ودعوا الميدان يصقلكم ويرفعكم إلى أعلى، أو اتركوها بكرامة، غير مأسوف عليكم، فلازال لدينا غيركم الكثير من العلل لنبرأ منها ونتطهر من جثومكم على صدر كشفيتنا بلا حياء.