إشكالية الكشافة بين التمويل والجودة (درهمونا وإلا فقدتمونا) ، بقلم هشام موسى

إشكالية الكشافة بين التمويل والجودة (درهمونا وإلا فقدتمونا) ، بقلم هشام موسى

إشكالية الكشافة بين التمويل والجودة
(درهمونا وإلا فقدتمونا)

The Scandals of Scouting between Financing and Quality
(Give us Dirhams, otherwise you lost us)

بقلم/ هشام عبد السلام موسى


By/ Hisham Abdel Salam Moussa

27 أغسطس 2018

عندما تبلورت لدى بادن باول فكرة الكشافة بعد عودته إلى بلده بريطانيا عام 1906 كقائد منتصر من حروب البوير التي خاضها في أفريقيا، كان إلهامه بوضع فكرة الكشفية في الحقيقة هو معالجة حالة اجتماعية وجد عليها شباب وفتيان بلده، مما يعيشون فيه من ترف، ورعونة في بعض الأحيان، نتيجة الوفرة الاقتصادية التي كانت تعيش فيها بريطانيا آنذاك، حيث كانت مستعمراتها تملأ أكثر من نصف العالم، حتى أطلقوا عليها الامبروطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

قارن بادن باول الحالة التي وجد عليها أبناء بلده بنظرائهم من الفتية والشباب في الهند وأفريقيا والبلدان التي عمل فيها ظابطا في خدمته العسكرية في المعسكرات أو تلك البلدان التي مر بها وتعرف على شعوبها وعاداتهم وتقاليدهم، ولاحظ الفرق الكبير في فتيان تلك الدول فهم يعتمدون على أنفسهم، وأطفال كالرجال، وكانت تلك الحالة هي التي دعت بادن باول إلى ابتكار فكرة الكشفية لمعالجة خلل اجتماعي أصاب فتيان بلده وخاصة المترفين منهم، لذا يمكننا أن نقول أن الكشفية في بداياتها كانت من أجل أبناء الأغنياء..

بعد أن توسعت الكشفية وانتشرت بالصدفة كما ذكر ذلك بادن باول نفسه في مذكراته، أدرك بادن باول أن الكشفية بأهدافها ومبادئها هي حركة تصلح للجميع، وهذا ما نص عليه في تعريفه للكشافة بأنها حركة مفتوحة للجميع دون تفرقة في الأصل أو الجنس أو العقيدة، وهذا ما أعطى الكشفية بعدا اجتماعيا عالميا مفتوحا، جذب إليها ملايين من الفتية والشباب على مدى أكثر من مائة وعشر سنوات حتى الآن.

والإشكالية الحقيقية التي تواجه الكشافة حاليا، هل هي حقا مفتوحة للجميع، أي أنه بمقدور الفقراء مثل الأغنياء أن يستمتعوا بكافة أنشطتها وبرامجها، أم أن هناك أنشطة بعينها تكون قاصرة على الفئة القادرة دون الفقراء؟ وهل تعود الكشفية لتصبح كما بدأت لفئة المقتدرين الأغنياء؟.

ندرك جميعا الأزمات المالية الطاحنة التي تعصف بأغلب دول العالم، وتؤثر على اقتصادياتها، وتوفير الغذاء ومعالجة قضايا البطالة، والسعي للانتاج المتزايد، وكل ذلك وغيره من المتطلبات الحيوية لأي دولة يأتي على حساب أولويات لا يمكن أن نعتبر الكشفية بأي حال تتصدر قائمتها، وهذا الأمر كان له تأثيره الملموس على ما يتوفر لدى الجمعيات الكشفية في مختلف الدول من موارد كان يمكن أن تساعدها على القيام بدورها بكفاءة.

يقولون في لغة (البيزنس) المال عصب الأعمال، ولازلت أذكر ذات يوم عندما كنت أعمل موجها للكشافة، دخلت على مدير إحدى المدارس، وطلبت مقابلة قائد الفرقة، وطلبت منه سجلات الفرقة، وبدأت أسأله عن خطته الكشفية للفرقة، وما الأنشطة التي قاموا بتنفيذها، كل ذلك ومدير المدرسة ينظر لي ويضحك ضحكة مريبة، فسألته ما الذي يضحكك، فقال لي: يا أستاذ قبل أن تسأله اسأل نفسك ماذا قدمتم أنتم له كجمعية؛ حتى تحاسبه، واستطرد قائلا: نحن جالسين نغزل برجل حمار.. (درهمونا وإلا فقدتمونا).. وسكت مدير المدرسة، ولكني فعلا كنت قد استوعبت الدرس، وأخذت الطريق عائدا إلى مقر عملي وأنا أرسم في مخيلتي استراتيجية جديدة لكيفية تقديم الدعم لتلك الفرق، فنيا وماديا ودعما بالأدوات والأنشطة والمتابعة، قبل أن نحاسبهم ونسألهم ماذا قدموا؟..

منذ بضع سنوات كنت رئيسا لإحدى الجمعيات الكشفية، ووجدت أن رسوم اشتراك الفرقة الكشفية في الجمعية في العام كاملا لا تتجاوز 25 جنيها، وبحسبة بسيطة وجدت أن نصيب الفرد في فرقة تعدادها 32 فردا هو 75 قرشا، وأتساءل حقيقة هل 75 قرشا يمكن لأي جمعية أن تربي بها كشاف على مدار عام فتنظم له مخيمات، وتصدر نشرات فنية، وتدرب قادة الجماعات الصغيرة من رؤساء سداسيات وعرفاء طلائع ورواد رهوط، وتدرب قادة الفرق؟؟؟؟؟ أليس هذا نوع من العبث؟ وإما أن نكون نضحك على أنفسنا، أو أننا نوهم أنفسنا بأننا نقوم بما يجب علينا؟؟، أو أننا نوهم الآخرين أننا كيانات موجودة ومؤثرة، وفي الحقيقة أيها السادة نحن لاشيئ...

الكشفية تطوع.. نعم، ولكن تحقيق أهداف الكشفية التي نحفظها جميعا عن ظهر قلب، هو عمل استراتيجي تربوي يحتاج إلى موارد مالية كبيرة لتحقيقها، فإقامة المخيمات بمال، وعقد الدورات التدريبية بمال، وكل نشاط نقوم به بمال، فإذا لم تتوفر الموارد فسنظل فعل باهت.

أتساءل.. من هم الذين يشاركون في المخيمات الكشفية العالمية والعربية والأنشطة الخارجية، أليسوا هم القادرين ماديا على دفع رسوم الاشتراك، وتوفير تذاكر السفر، وشراء مستلزمات التخييم، وشراء الزي، هل من كشاف فقير مهما كان تميزه سيستطيع أن يشارك أو يكلف أهله هذه التكاليف التي أصبحت باهظة، بالطبع لا... والجمعيات الكشفية بطبيعة الحال ليست كالسابق تستطيع أن توفر تكاليف تلك المشاركات فهي تعتمد على دعم الأفراد المشاركين أنفسهم، وأقولها بصراحة، إنه في كثير من الأحيان نجد أن الجمعيات تتنازل عن شروط كثيرة مادام هناك من يدفع التكاليف، فمن المفترض أن المشاركة في الأحداث والمناسبات الكشفية العالمية والدولية والعربية تكون للمتميزين من الكشافين الذين قضوا سنين من الممارسة الحقيقية في فرقهم ومع جمعياتهم وترقوا في الرتب الكشفية، ولكن ذلك لا يحدث، فقد يأتي كشاف تم تسجيله بالأمس في الجمعية ويكون اليوم على رأس المرشحين لمجرد أنه قادر على دفع تكاليف المشاركة!!!، فأي عدالة كشفية في ذلك، فإما أن تكون الكشفية للجميع، أو نكون صريحين مع أنفسنا ونقول أن الكشفية للأغنياء، أو لمن يقدر على تحمل تكاليفها..

ستبقى هذه الإشكالية قائمة في مختلف الجمعيات ما بين توفير مصادر التمويل، وتحقيق معايير الجودة في الكشفية بكل معطياتها، فلا جودة مجانية، إنما هو نتاج مدفوع الأجر وهو مكلف في أغلب الأحيان، وإن الجمعيات الكشفية التي تظل معتمدة على تمويل رسمي ستظل عبدة لهذا التمويل، وعليها أن تسعى للحصول على موارد دعم متجددة، ولذا فعلى الجمعيات الكشفية السعي الجاد لمعالجة هذا الأمر ويأتي ذلك من خلال:
- بناء شراكات استراتيجية مع مؤسسات وشركات يمكنها أن تقتنع بالأهداف الكشفية وتقدم دعما لها.
- اللجوء إلى رعاة رسميين للأنشطة والأحداث سواء أكانوا مؤسسات أو شخصيات اعتبارية.
- تحويل المقرات الكشفية لوحدات منتجة تمول نفسها ذاتيا.
- معاملة القادة كالكشافين عند مشاركتهم في الأنشطة الخارجية دون تفرقة.
- رفع شعار لا مجانية في الكشفية إلا للمتميزين، بحيث أن تقام الأنشطة من خلال تمويل الأفراد المشاركين بحساب التكلفة وتحديد حصة الفرد في المشاركة.
- إعادة تفعيل صندوق الطليعة وصندوق الفرقة وتشجيع مساهمات الأفراد وأولياء الأمور فيه.
- التوسع في تنفيذ الأسواق الخيرية ويكون عائدها مخصص لغير المقتدرين من الكشافين لمساعدتهم على المشاركة في الأنشطة.
- تنظيم حفلات غنائية لكبار المطربين والاتفاق معهم أن يكون عائد تلك الحفلات لصالح دعم الكشافة وأنشطتها.
- تنفيذ مشروعات إنتاجية تدر دخل لدعم الكشافة.
- الاستفادة من فكرة التوأمات مع الجمعيات الكشفية في الدول الأخرى لتوفير فرص مشاركات محدودة التكلفة لغير القادرين، وأن لا تكون تلك التوأمات بروتوكولية يستفيد منها القادة، ولكن يكون المستفيد الأكبر منها الفتية والشباب.
- الترويج لفكرة (إدخر وشارك)، أي أن نربي أبناءنا على ثقافة الادخار من مصروفهم لتجميع مبالغ يمكنهم المشاركة بها في أنشطة يريدون أن يشاركوا فيها خارجيا ولو استغرق ذلك عامين أو أكثر، فبلا شك سيكون المبلغ المدخر كاف لهذه المهمة دون إجهاد لأولياء الأمور أو للكشاف نفسه، والذي يحب شيء فعليه أن يسعى له (الغاوي ينقط بطقيته) كما يقول المثل الشعبي.

عشرات من الأفكار يمكن أن نفكر فيها من خلال ورشات للعصف الذهني للخروج من مأزق التمويل دعما لأنشطتنا الكشفية لتكون حقيقية وليس أرقاما مسجلة في تقارير على الورق لا عائد ولا جدوى منها، وأود أن أختتم بمقولة سمعتها من أستاذي المغفور له بإذنه تعالى القائد/ عزيز بكير في حوار منشور في نشرة (آراء وأفكار) كنت قد أجريته معه منذ قرابة ثلاثين عاما حول التمويل الكشفي، فقال لي بين ما قاله: (في الحقيقة إن الكشافة لا تعاني نقصا في مواردها بقدر ما تعاني من قلة الحيلة)....

حقا نجلس مسندين الخدود على الكفوف ونقول: ماذا نفعل؟؟ ونجيب منين؟؟...

 


The Scandals of Scouting between Financing and Quality

(Give us Dirhams, otherwise you lost us)

By / Hisham Abdel Salam Moussa

27 August 2018

When Baden-Powell conceived the idea of scouts after returning to his country of England in 1906 as the victorious leader of the Boer wars he fought in Africa, his inspiration for developing the idea of scouting was to address a social situation in which his young men and boys lived, As a result of the economic abundance in which Britain lived at that time, where the colonies filled more than half of the world, even called the emperatory that the sun is not absent.

Baden-Powell compared the situation in which his countrymen found their young and young counterparts in India and Africa and the countries in which he worked in his military service in the camps or countries he passed through and knew about their people, customs and traditions. He noted the great difference in the boys of these countries, And children like men, and that was the case that called for Powell to invent the idea of Scout to address the social defect hit the boys of his country, especially those who are devout of them, so we can say that Scout in its infancy was for the children of the rich ..

After the scout was expanded and spread by coincidence, as Baden Powell himself mentioned in his memoirs, Baden-Powell realized that scouting with its goals and principles is a movement suitable for all. This is stated in his definition of Scouts as an open movement for all without distinction of origin, sex or creed. Scouting is an open global social dimension, attracting millions of young people over the past 100 years.

The real problem facing scouts now is, is it really open to all, that is, the poor, like the rich, can enjoy all their activities and programs, or are there specific activities that are limited to the able-bodied without the poor? Is Scouting back to being as it started for the wealthy?

We are all aware of the crunchy financial crises that are afflicting most of the world, affecting their economies, providing food, tackling the issues of unemployment, and striving for increased production, and all of this and other vital requirements of any country comes at the expense of priorities. We can not consider the scout to be at the top of its list. Has had a significant impact on the resources that scout societies in different countries have had to provide for their efficient role.

In the language of business, I say money is the nerve of the business. I still remember one day when I was a scout director. I entered a school principal and asked to meet the band leader. I asked him for the band's records. I asked him about his plan for the band and what activities they did. The teacher looked at me and laughed a suspicious laugh. The school principal was silent, but I had already absorbed the lesson, and I took the road back to my work place and I painted a pencil My imagination is a new strategy for how to support these teams, both technically and materially, and by supporting tools, activities and follow-up, before we hold them accountable and ask them what they have done.

A few years ago, I was the head of a scout association. I found that the fee of the Scouts in the Society for the whole year did not exceed 25 pounds. A simple calculation found that the per capita share of a 32-member division is 75 piasters. I wonder whether 75 piasters can raise It has a scout over the course of a year. It organizes campuses, issues technical bulletins, and trains the leaders of small groups, including the heads of the six sects, the leaders of the pioneers and the pioneers of Rahut. Is not that kind of absurd? Either we laugh at ourselves, or we think ourselves that we are doing what we should, or we believe others that we are existing and influential entities, and in fact, gentlemen, we are not ...

Scouting volunteered .. Yes, but the achievement of the Scout objectives, which we all keep by heart, is a strategic educational action needs financial resources to achieve them, the establishment of camps with money, and the training courses with money, and every activity we do with money, if resources are not available, .

I wonder who are the participants in the global and Arab Scout camps and outside activities, are not they physically able to pay subscription fees, provide tickets, buy camping supplies, and buy uniforms, is it a poor scout, no matter how distinguished it will be able to share or cost their families? Which are expensive, of course not ... Scout societies, of course, are not the same as before you can save the costs of those posts are dependent on the support of the participants themselves, and I say frankly, that often we find that the associations give up many conditions as long as there are those who pay the costs, It is supposed to participate In the events and Global Scout events and international and Arab to be distinguished from the Scouts who spent years of real practice in their teams and with their associations and raised in the ranks Scout, but that does not happen, may come Scout was registered yesterday in the Assembly and is today at the top of candidates just because he is able to pay the costs Participation, !!! What a scandalous justice in it, either be a scout for all, or be frank with ourselves and say that the scout for the rich, or for those who can afford them ..

This problem will remain in the various societies between the provision of sources of funding and the achievement of quality standards in scouting with all its data. There is no free quality, it is a paid product and it is often expensive. Scout societies, which remain dependent on formal funding, It should seek renewed support resources, and scouting associations should strive to address this issue by:

• Building strategic partnerships with institutions and companies that can be convinced of and provide support for scouting goals.
• The resort to official sponsors of activities and events, whether they are institutions or corporate figures.
• Transfer of scout offices to self-financed productive units.
• Treatment of leaders as scouts when participating in external activities without distinction.
• Raise the slogan is not free in scouting except for distinguished, so that the activities are conducted through the financing of individuals participating in the calculation of cost and determine the share of the individual participation.
• Re-activate the Vanguard Fund and the Fund and encourage the contributions of individuals and parents.
• Expansion of the implementation of charitable markets and the return of the dedicated non-able Scouts to help them participate in activities.
• Organizing concerts for senior singers and agreeing with them to be the return of those concerts in favor of support scouts and activities.
• Implement productive projects that generate income to support scouts.
• Benefit from the idea of twinning with scout societies in other countries to provide opportunities for low-cost partnerships for those who can not, and that these twins are not a protocol for the benefit of the leaders, but the biggest beneficiary is youth and youth.
• Promoting the idea of "saving and sharing", that is, to raise our children to a culture of saving from their expenses to collect amounts they can participate in activities they want to participate abroad, even if it took two years or more, will undoubtedly be the amount saved for this task without stress to parents or Scout Himself, who loves something He has to seek for him (Who like, drops his stomach) as popular saying.

Dozens of ideas can be thought through workshops to brainstorm out of the funding dilemma in support of our scouting activities to be real and not numbers recorded in reports on paper is useless and useless, and I would like to conclude by saying the reputation of my late teacher, the leader Aziz Bakir I have been with him for nearly 30 years about Scout funding. He said: "In fact, scouts do not suffer from lack of resources as much as they lack resources." Blades on the paws and say: what to do??...