التاريخ المكتوب والتاريخ المحكي للكشافة، بقلم هشام عبد السلام موسى

التاريخ المكتوب والتاريخ المحكي للكشافة، بقلم هشام عبد السلام موسى

التاريخ المكتوب والتاريخ المحكي للكشافة
بقلم/ هشام عبد السلام موسى

منذ عام 1986 وأنا أعمل على التوثيق لأحداث الكشافة العربية وتاريخها، بدأت العمل عليها كتكليف بحكم عملي كمدير للعلاقات والإعلام بالمنظمة الكشفية العربية سابقا، ومع بداية أول عملية للتوثيق الكشفي كانت بمناسبة اليوبيل الماسي للكشافة العربية ذكرى مرور 75 عاما على إنشائها (1912-1987)، ثم تحول الأمر إلى هواية ملكت علي حياتي إلى الآن.

رحلة عمر التقيت خلالها بعدد لا يحصى من الرواد الأوائل للكشافة العربية من مختلف الدول العربية، جلست واستمعت إليهم، وسجلت معهم، ودونت مئات من الصفحات وهم يروون ذكرياتهم، ومواقفهم، وكلما اعتقدت أنني أنجزت المهمة أكتشف أن هناك الكثير والكثير من الأبواب لم تطرق، والأحداث لم تسجل وتوثق، فأصبحت هذه المهمة لا تنتهي، ومعينها لا ينضب، وما جف القلم منها يوما، إلا حزنا على فقد علم من أعلامها من سماء الكشفية لم أكمل مهمتي معه، في أن استخلص ما في جعبته من تاريخ ووقائع هامة كانت جديرة بأن تسجل وتوثق.

في تلك الفترة منذ ما يقرب من ثلاثين عاما، لازلت أذكر بإعزاز قائدي المغفور له بإذنه تعالى الاستاذ جمال خشبة، أحد أهم الشخصيات الكشفية العربية التي عنيت بالتوثيق والتأريخ للكشافة العربية، وأنا أجلس إليه وهو يعلمني كيف أقرأ الصور الكشفية القديمة؟، وكيف أتعرف على أشخاصها؟، وكيف أنسب أحداثها؟ وأربطها بعضها ببعضا؟، وكيف أقدر زمن وتاريخ الصورة؟، وكيف أحول الصورة إلى خبر وموضوع يمكن الكتابة عنه؟.. فقد كان رحمه الله مدرسة في هذا الجانب، وأشرف أنني تتلمذت على يديه، وأن أعمل مساعدا له في جمع بعض المواد الأرشيفية في كتبه التوثيقية الأخيرة التي أصدرها قبل وفاته رحمه الله مثل كتاب الكشافة في 78 عام، وكتاب الكشافة الجوية في 30 عام، فقد كان الرجل بحق شاهد على عصره، وحاضرا في كثير من المشاهد الكشفية العربية وأحداثها الهامة، وصاحب قلم فياض في الكتابة والتوثيق.

وكان هناك نمط آخر من القادة الرواد الذين لديهم الكثير من المعلومات، لكن لم تكن لديهم ملكة الكتابة، أو الصبر عليها، فلم يكن من حل مع هؤلاء إلا أن نجلس إليهم وننعش ذاكرتهم بالأسئلة، وندون من ورائهم الوقائع والأحداث والذكريات، وهؤلاء هم الغلبة من القادة والأكثر عددا.

ومنذ ذلك التاريخ نشرت وأصدرت العديد من المجلات والكتب سواء بشكل رسمي من خلال المنظمة الكشفية العربية، مثل الأعداد الوثائقية الأولى من مجلة الكشاف العربي، التي تضمنت أبوابا مثل: شخصيات لا تنسى، والرواد الأوائل، وأضواء على تاريخ الكشافة العربية بأقلام قادة مثل: محمد الهبري وعزيز بكير وعلي الدندشي وغيرهم رحمهم الله جميعا، أو سواء بشكل شخصي من خلال ما أصدرته من كتب في هذا الصدد مثل: قلائد وقادة، وأناشيدنا الكشفية والوطنية، إلى جانب عشرات المقالات والموضوعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأخص عبر الفيسبوك، وكل ذلك بهدف نشر هذه الثقافة والمعرفة والتاريخ الكشفي والوقائع والأحداث المرتبطة به.

ولا أنسى ذات مرة عام 1994 في إطار تحضير المنظمة الكشفية العربية للاحتفال بالذكرى الأربعين لإنشاء المنظمة الكشفية العربية، وكنت وقتها أعمل في سلطنة عمان، وعند نزولي لمصر في إجازتي السنوية اتصل بي هاتفيا المرحوم الأستاذ فوزي فرغلي الأمين العام وقتها، وقال لي: أريدك أن تتفرغ لي عدة أيام بالمنظمة، فقلت خيرا، فقال هناك عمل أريدك أن تنجزه في التوثيق لبعض الأحداث والوقائع الكشفية، لم يسبق تدوينها، ونريد نشرها في مجلة الكشاف العربي في عدد تذكاري رقم (14) كان يقوم على إعداده وقتها أخونا العزيز قائد رفعت السباعي، وبالفعل ذهبت، وأجلسني في المكتبة، وقال لي أن محبوس هنا إلى أن تتم المهمة، وحولك كل الكتب والوثائق والتقارير والمراجع، ابحث ودقق واكتب، وبالفعل فعلت ذلك، وكتبت عن عدة أحداث من بينها عن وقائع إنشاء المركز الكشفي العربي، ومنها عن واقعة وقف عضوية الكشافة المصرية في المنظمة الكشفية العربية وملابسات ذلك الأمر، وغيرها من الأحداث، والتي تم نشرها بالمجلة آنذاك.

وفي الحقيقة كما ذكرت أن هذه المهمة لا تنتهي ومعينها لا ينضب، ولا زلت أقول وأكرر أن التاريخ المحكي الذي لم يوثق وموجود لدى الكثيرين قد يكون أكثر ثراء وأهمية من التاريخ المكتوب والذي أصبح متوفرا بين أيدينا إلى الآن، ويتطلب الأمر منا مزيد من البحث عن الأشخاص والتوثيق والتدوين معهم، وعلينا أن ندرك أن الزمن ليس في صالحنا، فللأسف الموت أسبق منا إلى أفواه هؤلاء سلمهم الله جميعا، ولكنها سنة الحياة، فالزمن يدركهم بالكبر والنسيان حفظهم الله ورعاهم، والأمر هو مسؤولية جميع القادة وكل من لديه قدرة على الكتابة أن لا يبخل بجهد بسيط في توثيق معلومة أو حدث أو تاريخ قد يفيد أجيالا قادمة، ويحفظ جهد وعرق أجيال سبقتنا بالعمل من أجل نمو ونهضة الكشافة العربية في كل مكان.