الكشفية العربية ودورها في الحفاظ على التراث العربي والإسلامي، بقلم القائد محمد درويش الدهدار

الكشفية العربية ودورها في الحفاظ على التراث العربي والإسلامي، بقلم القائد محمد درويش الدهدار

الكشفية العربية ودورها في الحفاظ على التراث العربي والإسلامي
بقلم القائد محمد درويش الدهدار


ما دفعني إلى كتابة هذا المقال الخطأ الشائع وللأسف فيما بين قيادات الحركة الكشقية العربية وما ينقلوه لأفرادهم من أن الحركة الكشفية في البلاد العربية هي إمتداد للحركة الكشفية العالمية التي يعود الفضل في إنشائها إلى اللورد روبرت بادن باول – البريطاني الأصل – .

إنَ هذا الظن هو ظن خاطئ وفيه ظلم واضح للحقيقة , قد يكون مقصوداً أو عن غير علم فالحركة الكشفية في وطننا العربي جزء من تراثنا القومي والإسلامي , ولها في حاضرنا مسؤولية رائدة في الحفاظ على عاداتنا العربية العريقة والتقاليد الأصيلة لمواجهة العادات والتقاليد الغريبة عنا , والتي تغزوا عقول ونفوس شبابنا , ولها مهمة جليلة في الحفاظ على أثارنا وتنظيم مجتمعاتنا وفي تنشيط الحركة الرياضية , وبناء العلاقات الإنسانية الراقية بين أبناء الوطن الواحد .

ومنذ فجر التاريخ كان يحيى العربي حياة كشفية في أغلب حياته , فهو يقيم بين الجبال والهضاب , ويلاحظ النجوم والكواكب وتحركات الشمس والقمر , وينتبه إلى طبائع ما حوله من حيوانات ونباتات , وهو ينصب خيمة بنفسه ويجمع زاده وطعامه بيده ويحيا حياة فيها خشونة ورجولة وبساطة وسهولة .

كما عرف العرب الفروسية وحب المغامرة والمهارات في إقتفاء الأثر , والإقدام والمروءة والكرم ومساعدة الأخرين , وعرف عنهم بإقامة السمر والتجمع ليلاً للمسامرة وإشعال النيران للدفئ والإضاءة والتجمع حولها , ودلالة للمارين بالصحراء ليلاً للقدوم إليهم للاستضافة أو مد يد المساعدة .

وقد أوصى الإسلام بالخشونة وتحمل الحياة الصعبة , حيث يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : "اخشوشنوا فإنَ النعم لا تدوم" ... وقد قام بادن باول بدراسة طبائع العرب وتقاليدهم , وأظهر تأثره بالعرب وبهذه التقاليد والطبائع وأسلوب التربية المشبعة لديهم حيث قال "الكشافة هي مدرسة لخلق المواطن الصالح عن طريق العمل والحياة في الطبيعة " وهذا ما تحمله مبادئ العقيدة الإسلامية والعربية , ونحن لا نقلل من فكر بادن باول في تأطيره للحركة الكشفية، هذا الفكر الرائد والمبدع , لكننا لزاماً علينا الإشارة إلى حقيقة أنَ هذه الفكرة ما كانت لتجد تجاوباً فورياً في الوطن العربي فلو لم يكن هذا المجتمع معداً للإستجابة لها بحكم تراثه في هذا المجال وأن هذا الظن الخاطئ قد نشأ نتيجة عدم ربط مؤسسي الحركة الكشفية العربية منذ البداية لهذه الحركة النبيلة بالتراث العربي الأصيل , فأهملوا ما لا يجوز إهماله.

ونحن نقدر لهم جهودهم في نشر الحركة واستمراريتها وتطويرها , حيث نرى لزاماً علينا أن نربط حاضرنا الكشفي بماضينا " الفتوه " وذلك إعتناءاً لحاضرنا وتقديراً لماضينا المجيد في هذا المجال , وعن رسالة د.هشام نشابة المقدمة للمؤتمر الكشفي العربي السابع عشر قدم لنا المفهوم التراثي العربي الإسلامي لنظام الفتوه حيث قال هو نظام مجموعة من الخصال الحميدة التي يتميز بها الفتى , وأهم هذه الخصال "الكرم والسخاء" والكرم كما هو معروف رأس الفضائل العربية التي عرفها المجتمع العربي في الجاهلية ثم جاء الإسلام ليكرس إمتيازها على سائر الفضائل العربية لأنَها فضيلة تنطوي تحتها عدة فضائل أخرى والكرم صفة من صفات الله عز وجل والرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي حث عليها.

وقد قال إبن منظور في كتابه لسان العرب : "الكرم هو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل والكريم هو اسم جامع لكل ما يحمد" , وعندما أنشأ بادن باول الكشفية في عصرنا الحديث أنشأها أولاً للفتية للاهتمام بتنشئتهم تنشئة صالحة , وعندما نزل القرآن الكريم خص الفتية بالإهتمام والرعاية والتربية الصحيحة السليمة والتنشئة الصالحة والتكريم , فقد ورد ذكر الفتية والفتى في أكثر من موقع من أياته الكريمة ( سورة يوسف – سورة الكهف – سورة الأنبياء ) , ومن هنا فقد إكتسبت "الفتوه" في المفهوم العربي والإسلامي معاني النجدة والفروسية حتى أن صفة (الفتى) كانت تعطى في عهد الخلفاء الراشدين لمن يراد تكريمه من شباب الأمة , وقد نشأت الفتوه كتنظيم إجتماعي في عهد الخليفة الناصر لدين الله العباسي (575 – 663 هـ) (1180 – 1225 م).

وكان للفتى الذي يريد الإنضمام إلى جماعة الفتيان يقام له حفل خاص يقدم فيها زي مميز ويشرب على شرفه كأس الفتوه ويوضع على زيه شعار الفتوه ضمن تقاليد مميزة تتشابه نوعاً ما مع حفل القبول – الوعد – في الحركة الكشفية , وللحقيقية أن حركة الفتوه تعود إلى ما قبل عهد الخليفة الناصر لكنَه هو الذي الذي خصها باهتمامه وعنايته , وجعل منها مؤسسة عامة من مؤسسات المجتمع الإسلامي ووضع لها قواعد دقيقة .

وبالتالي فإنَ الفتوه في تراثنا العربي والإسلامي هي رابطة أخوية لتميز أفرادها بالخلق القويم عامةً والفروسية والكرم خاصةً , إنَنا نقدر لبادن باول جهوده في تأطير الحركة الكشفية إبرازها إلى حيز الوجود لتصبح عالمية حيث إنتشرت في كل بقاع الأرض حتى أصبحت اليوم حاجة ضرورية وملحة لكل الفتية والشباب في كل العالم لأنَها تشكل نظام تربوي سليم بما تشمله من قانون ووعد ومبادئ وتقاليد وطريقة , لكنَنا بذات الوقت لا ننكر تراثنا العربي والإسلامي الأصيل وعلينا ربط هذا التراث الذي نفتخر ونعتز به وبانتمائنا إليه , وأن نهتم به وبتقديمه إلى أبنائنا من الفتية والشباب من كلا الجنسين ضمن برامجنا وأنشطتنا الكشفية بشكل علمي متطور وسليم ..