القيادة بين التسلق والتسلط والتخبطK بقلم/ هشام عبد السلام موسى

القيادة بين التسلق والتسلط والتخبطK بقلم/ هشام عبد السلام موسى

القيادة بين التسلق والتسلط والتخبط
بقلم/ هشام عبد السلام موسى

سألني قائد كشفي شاب ذات يوم قائلا: يا قائد.. متى سنأخذ فرصتنا؟؟، فقلت له: (لما يموت اللي راكب)، ضحكنا وسار في حال سبيله، وترتسم على وجهه علامات من الاحباط واليأس ممزوجة بامتعاض غير مريح.

ولطالما ألح علي هذا السؤال الذي طرحه القائد الشاب، متى سوف يأخذ القادة الشباب فرصتهم ليتصدروا المشهد الكشفي هنا وهناك، وأعود بالذاكرة كيف وقف قادتنا الأكارم رحمهم الله إلى جانبنا ليجعلونا نقف على أقدامنا، فأذكر موقف لي مع المرحوم أستاذي القائد جمال خشبة، أن اتصل بي ذات يوم هاتفيا وكنت في مدينتي بالمنصورة، وقال لي: يوم كذا هل لديك أي ارتباط، فقلت له لا فأنا في أجازة من العمل، فقال: إذن تذهب إلى الأسكندرية في مخيم أبو قير فهناك دراسة للشارة الخشبية الجوية على مستوى الجمهورية، وأريدك أن تتولى قيادتها كان من المفروض أن يقودها المرحوم/ محمود فودة، ولكن حدث له ظرف طارئ، وقررنا أن تتولى أنت قيادتها، فقلت له: يا أستاذ جمال، الأسكندرية فيها أساتذة وقادة لنا وفيهم البركة، فكيف أكون قائدا عليهم في الدراسة، فقال: أعلم ذلك، فقلت له: أود أن أشير إلى أنني لازلت مساعد قائد تدريب، ولم تصدر إجازتي كقائد تدريب، فقال: أعلم ذلك، فقلت له:... ولم أكمل كلامي، فقال لي: (يا ابني إن لم تمارسوا القيادة ونحن أحياء، وتخطئون ونصلح لكم إلى أن تقفوا على أقدامكم، فبعد أن نموت وتخطئون فمن سيصلح لكم إن أخطأتم، ثم قال بصوت مرتفع آمرا: تفضل روح قود الدراسة، وأقفل الخط.

كان مجرد حديث أستاذي المرحوم جمال خشبة لي هاتفيا وساما أفتخر به، فضلا عن ما كلفني به، وتوجهت للأسكندرية في الموعد المحدد بعد أن أعددت عدتي للدراسة جيدا، لأجد فريق العمل في الدراسة به نخبة من أفضل القيادات ومن هم أفضل مني، وكان من بينهم الأستاذ القائد/ كمال رجب سليمان أطال الله في عمره، وقائدي المرحوم/ محمود فودة الذي التحق بنا، والمرحوم القائد/ عبد المعطي العوامري، وغيرهم، وقدت أول دراسة للشارة الخشبية في حياتي، بنجاح غير مسبوق، وبتعاون كامل من فريق المدربين من القادة الذين تفانوا معي لإنجاح الدراسة.

أستشهد بهذه القصة لأبين كيف كان القادة الكبار من روادنا يوجهوننا ويزرعون فينا الثقة، ويقفون إلى جانبنا، ويقوموننا، ويقيموننا، واليوم أقف على عتبات جمعياتنا الكشفية في كل مكان، فلا أسمع إلا ضجيجا، وصراخا، وعدم رضى من الجميع، الكل يشتكي، والكل يعاني، والكل يستشعر الغبن، والكل يشعر بأنه مهضوم حقه، وأنه كان أولى به مكانة أرفع من التي هو عليها، والكل ينظر للكل بعين الريبة، أو الحسد، أو النقد، أو المحاصصة، الكل يبحث عن دور يستحقه أو لا يستحقه.

أفكر لماذا وصلنا إلى تلك العتبات، والأمر في رأيي أصبح متجذرا يسوء يوما بعد يوم، ففي بدايات الحركة الكشفية في بلداننا، كان يتولى إدارة الجمعيات الكشفية نخبا من القادة الكشفيين المؤسسين من روادنا الأوائل، فكان كل همهم نجاح الحركة الكشفية ونموها وازدهارها، وكان حبهم للكشفية يدفعهم لإنكار الذات، والعمل على جذب وتأهيل القيادات الجيدة للعمل الميداني، فلا يخرج القائد من تحت أيديهم؛ إلا وقد صلب عوده، واكتملت خبرته، وتعمقت ممارسته الكشفية، فكانوا رجالا يخرجون رجالا، وكان هؤلاء القادة الرواد هم من يعطون الحركة الكشفية قوتها وصلابتها، فكان تواصلهم حتى مع الملوك والرؤساء والأمراء قويا في كل مكان، يعرضون عليهم احتياجات الحركة وأبنائها، ويحصدون الموافقات لإقامة التجمعات الكبرى، وإنشاء المخيمات ومراكز التدريب والمقرات هنا وهناك، فلم يكن لقادتنا سقف في التعامل مع الآخرين مهما كانت مكانتهم، فقد كانوا في ذواتهم يدركون قدر أنفسهم، ويعلمون أن رسالتهم التربوية التي يعملون عليها هي في النهاية لصالح تربية وتنشئة أجيال من الفتية والشباب، وكان أثرها ظاهرا للمجتمع عيانا بيانا، فلا يجحدها جاحد، وكان ذلك مناط القوة في الحركة الكشفية.

ولما انتهى هذا الجيل من بعد منتصف السبعينات من القرن الماضي، وقعت الحركة الكشفية في إشكالية من سوف يعطيها القوة التي كانوا يستمدونها من الرواد الأوائل والآباء المؤسسين، وما حدث في أغلب الجمعيات أنها بدأت تركن لاستجلاب شخصيات لها مكانتها الاعتبارية من خارج الحركة الكشفية ليستمودوا منهم القوة والدعم، ولكن هذه التجربة أثبتت فشلها الذريع للمؤشرات التالية:

أولا: لأن القادمين الجدد لم يكن لديهم أي تفهم لروح وطبيعة العمل الكشفي، فكان حكمهم على الأمور من منظورهم هم، لا من منظور ورؤية الكشافة، فتسلطوا عليها.

ثانيا: لأنهم في مجملهم نظروا للكشفية كجهة تضيف إلى بطاقة تعريفهم الشخصية صفة جديدة، ومكانة.

ثالثا: لأنهم نظروا في أغلبهم إلى كيف يستفيدون شخصيا من الكشافة، من خلال السفرات التي تكون على حساب الجمعيات من تذاكر وبدلات وإقامات وغيرها، فأصبح ما يستنزفه هؤلاء من موازنات الجمعيات يفوق بكثير ما ينفق على جموع الكشافين، وتحولت النظرة إلى المزيد من البهرجة، والصرف غير المرشد، الذي يتنافى من أحد عناصر قانون الكشافة أن الكشاف مقتصد.

رابعا: لأن وجود هؤلاء الأشخاص واستمرائهم للمكاسب التي حصلوا عليها، جعل لهم أنيابا داخل الجمعيات كان من الصعب خلعهم منها، فقد كانوا يستهمون على ضروع بقرة الكشافة يحلبونها حتى أخر نقطة في ضروعها.

خامسا: إحباط القيادات الكشفية الحقيقية التي عملت في الميدان لسنوات، وكانت تتطلع لتقدم مواقعها القيادية، ولكنها باءت بالفشل في ظل تمترس الآخرين على سدة الجمعيات الكشفية بلا حراك، وعدم إتاحة فرص التقدم للآخرين.

ولهذه الأسباب الخمسة، كانت بذرة انهيار الحركة الكشفية وتراجع أدائها في الجمعيات الكشفية، وفي خضم ذلك ظهرت على الساحة الكشفية أربع أنماط من القيادات يمكننا أن نحللها فيما يلي:

1- صنيعية الكشافة: وهم قادة لديهم مهارات عالية جدا، احترفوها في التخييم والحبال والمهارات الأخرى، وربما أيضا في عمليات التدريب، ولكنهم للأسف لا يحملون قيم الكشفية التربوية الأصيلة، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، ويمكن أن ترى بعضهم سارقا، أو صاحب سلوك غير منظبط، المهم أنه يعيش طفيليا على الكشافة ليتكسب منها، يدرب هنا، ويقيم مخيما في مسابقة هناك، وكان شعار بعضهم (نومة حلوة.. وأكلة حلوة!!!).

2- مكتسبي المكانة: وهم فئة ثانية من القادة، يعيشون على حافة الحياة، لاوزن ولا قيمة مجتمعية لهم، أو قد يكونون قد استنفذوا فرصهم المعيشية في الحياة كأن تقاعدوا من أعمالهم، ووجدوا في الكشفية فرصة ليكتسبوا مكانة اجتماعية زائفة، وما أكثر المسميات في الكشفية التي قد تصيب المستمع إليها بالرهاب أو الخضة، مثل: مفوض عام، قائد تدريب دولي، مفوض التدريب الأهلي، كبير المفوضين، إلى آخر ذلك من المسميات، فوجدت هذه الفئة في هذه المسميات ملاذا لها تختبئ خلف ستاره، ولكن دونما أي جهد منهم لتحقيق أي إنجاز، فحجبوا الشباب الفاعل الراغب في العمل من التقدم حتى لا يتزحزحوا عن مقاعدهم إلى أن ينخرها السوس.

3- العازفون: وهم فئة لديهم قيم الكشفية الحقيقية، ولديهم الخبرة والمهارة، ولكنهم في ظل ما يرونه على ساحة الكشافة من صراعات وخلل فضلوا النأي بأنفسهم عن هذا المعترك احتراما لتاريخهم ولأنفسهم، وتركوا الساحة للوغش.

4- الافتراضيون: وهم فئة من القادة صنعوا أنفسهم في الواقع الافتراضي الذي تتيحه وسائط التواصل الاجتماعي، ولأنه عالم افتراضي، فمن السهل أن يخدع فيه الجميع، وأصبحنا نسمع عن ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان مثل: بادن باول كذا...، وعميد كذا...، وأبو كذا...، والقائد الكبير كذا..، وعندما نبحث عن هؤلاء في أغلبهم في واقعنا الكشفي، لا تجد لهم واقعا حقيقيا ولا أثرا ولا مكانة، إنما هم كائنات طفيلية، لم تجد مكانتها الواقعية في جمعياتها، فلجأت للعالم الافتراضي عبر الانترنت، ولا ألومهم، لأنهم لم يجدوا فرصهم الحقيقية التي سلبها منهم المتمترسون في الجمعيات.

ووسط هذا الموج من التناقضات التي تشهدها الكشفية في الجمعيات المختلفة، يولد جيل جديد من شباب الكشافة، متطلع للقيادة، لديه مهارات العصر وتكنولوجيا العصر، ولديه طموح التقدم، ورغبة إعادة البناء، جيل شفاف نقي، لكنه جيل متخبط تائه في ما يراه من صراعات، ولا يجد من يأخذ بيديه أو يوجهه أو يرشده، أو يمكنه، أو يعطيه الفرصة ليبدع ويبتكر وينوا نموا طبيعيا في حاضنة الكشافة ويترقى في تسلسلها القيادي إلى أن يصبح حيث أراد، جيل تائه متخبط بين المتسلقين والمتسلطين على حركتنا الكشفية، فيا سادة يا كرام .. اغفروا لي قسوتي.. واسمعوا لصرختي.. قبل أن يفوت الأوان..