جوهر الحبات وحبات بلا جوهر، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

جوهر الحبات وحبات بلا جوهر، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

ككل المسوخات التي أصبحت تعج بها حياتنا، تطرق المسخ إلى حياتنا الكشفية، فأصابها الكثير من العلل والسجحات، والالتواءات والانبعاجات، حتى أصبحت أقرب إلى ثوب ساتر ولكن تغزوه الرقاع، وتنخل أثماله البالية الثقوب.

أتعرض كل يوم لهؤلاء النفر من قادة الكشافة الذين أقابلهم هنا وهناك، يبادرونك بتعريف أنفسهم بقادة التدريب الدولي، ويتزينون حول أعناقهم بشارات الحبات الأربع لقادة التدريب، والحبات الثلاث لمساعدي قادة التدريب، والحبتان لحاملي الشارة الخشبية، حبات لمجرد الزينة والمباهاة، مظهر لا جوهر، إدعاء كاذب بأنهم قادة، وفارق كبير بين أن يكونوا قادة حقيقيون، وبين ما هم عليه من مظهر كاذب غير حقيقي.

وتتجذر مشكلة هؤلاء منذ البداية فيمن سمح لهم بتقلد تلك الشارات، والانخراط في أنظمة تأهيل دون تطبيق المعايير والشروط التي تؤهلهم للترقي في التأهيل للحصول على تلك الشارات.

فالأصل أن الطريق للحصول على الشارة الخشبية ذات الحبتين هو لمن لديه فرقة كشفية في الأساس يتولى قيادتها، فيتم تأهيله للقيام بهذا الدور كقائد لفرقة قائمة، ولكن ما نراه يحدث حقيقة هو أن التأهيل والحصول على الشارة الخشبية يتم لقادة ليس لديهم فرقا من الأساس، فلماذا يتم تأهيلهم إذن؟؟، ولماذا يتم تصعيدهم في التأهيل لما هو أعلى من ذلك، ولازالوا لم يمارسون القيادة لا على مستوى الفرق ولا الجمعيات، وقد يكونون في أغلبهم لم يشاركوا في حياتهم في أي مخيم أو يباتوا ليلة تحت ظل خيمة، وفاقد الشيئ لا يعطيه يا سادة، فكيف نأمن لهؤلاء أن يكونوا أمناء على كشفيتنا أو على أبنائنا، ماداموا لا يحملون أي قدر من الممارسة الكشفية والتربية وفق أسس وأهداف ومبادئ الحركة؟؟؟!!!.

والأصل أن الطريق للحصول على شارة مساعد قائد التدريب ذات الحبات الثلاث، هو لمن تم تعيينه من قبل جمعيته الكشفية ليعمل ضمن لجنة التدريب في الجمعية كمساعد لمفوض التدريب أو لمفوض التدريب الأهلي للجمعية سواء مركزيا أو إقليميا، ولكن ما نراه حقيقة هو أنه يتم تأهيل قادة من حملة الشارة الخشبية لمستوى مساعدي قادة التدريب، وهم لا يعملون أصلا في مجال التدريب، فضلا عن أنه ليس لديهم فرقا حتى يتولون قيادتها، فلماذا يتم تأهيلهم إذن؟ ولماذا يتم تصعيدهم في التأهيل لما هو أعلى من ذلك؟؟؟.

والأصل أن الطريق للحصول على شارة قائد التدريب ذات الحبات الأربع، هو لمن تم تعيينه من قبل جمعيته الكشفية ليعمل مفوضا للتدريب الأهلي أو مسئولا عن التنمية القيادية في الجمعية على المستوى المركزي، أو الإقليمي في محافظته أو منطقته، ولكن ما نراه حقيقة هو أنه يتم تأهيل قادة من حملة شارة مساعدي قادة التدريب الذين لا يعملون في التدريب من الأساس لمستوى قادة التدريب، فلماذا يتم تأهيلهم إذن ماداموا لا يمارسون هذا الدور؟؟؟؟.

فمشكلة هؤلاء في الأساس لمن سمح لهم أولا بتخطي أنظمة التأهيل بمستوياتها، وهم ليسوا مؤهلين لذلك، ثم تأتي المشكلة الثانية في هؤلاء القادة أنفسهم، المرضى بحب الظهور، والذين يعتقدون أن الشارات هي طريقهم ليكونوا قادة معتبرين، وأن الشارات ستزيدهم مكانة أو ترفع قدرهم، غير عابئين أنهم زادوا الطين بلة، والحركة الكشفية ضعفا ووهنا.

وأذكر مثلا صارخا ساقه لنا ذات يوم القائد العزيز والمربي الماكن القائد/ صابر حسنين –أطال الله في عمره وحفظه-؛ كونه حكما دوليا في كرة السلة، حيث قال: إن الذين يحملون شارة التحكيم الدولي لكرة السلة المسجلين في بلدانهم، أو المسجلين في الاتحاد الدولي لكرة السلة على مستوى العالم يعدون بالآلاف، ولكن كم واحدا منهم قام بالتحكيم في مبارات دولية، أو يستطيع أن يحكم مباراة دولية، فلن تجدهم في العالم يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.

وهذا المثال ينطبق حقيقة على قادة الكشافة من حملة الشارة الخشبية، وحتى قادة التدريب، كم واحدا منهم تولى قيادة فرقة كشفية بنجاح؟؟، كم واحدا منهم قاد أو ساهم في قيادة حتى ولو دورة أساسية للقادة؟؟؟...، كم واحدا منهم قاد أو ساهم في قيادة دراسة لمساعدي قادة التدريب بكفاءة؟؟؟...، كم واحدا منهم تولى قيادة دراسة لقادة التدريب بكفاءة واقتدار؟؟؟، وحتى إذا حدث ورأينا أحدهم يقوم بجلسة تدريبية نخجل من مستوى أدائه وسقطاته في مقابل ما يحمله من شارات... فهناك قادة ترتفع هاماتهم فوق الشارات وهناك قادة تثقل رقابهم الشارات فتهوي بها..

وفي بعض الجمعيات الكشفية مثل بريطانيا وأمريكا، تصدر سنويا قوائم بالمعينين في مهام مساعدي قادة التدريب، أو قادة التدريب، وهؤلاء هم فقط من من حقهم أن يرتدوا شارات الحبات الثلاث أو الحبات الأربع، فجوهر الحبات يا سادة هو في الأساس القيام بالدور، وليس التأهيل لمجرد التأهيل والمباهاة، دون مقدرة حقيقية على القيام بالدور، وتجد أن كثيرا من هؤلاء إن كلفوا بتقديم جلسة تدريبية بسيطة وقعوا في حيص بيص، وأسقط في يدهم، وقاموا باللجوء لأحد ليساعدهم في تحضير جلستهم التدريبية، وإن قدموها ظلوا كل دقيقة يعدونها متى ينتهي الوقت حتى تنقضي، وإن انتهت جلستهم تجد حشدا من المنافقين من أمثالهم يتدفقون عليهم بعبارات الثناء والتقدير، وأصبح الأمر هزال في هزال..

وكثيرا ما أعجب لهؤلاء الفئة من القيادات التي لا تراها إلا في المناسبات بغرض الظهور في الصورة على حساب الآخرين، يبادرون لإقحام أنفسهم في المشهد دونما استحقاق، فيكون كل هدفهم هو أن يتصدروا المشهد، ومناطحة أصحاب العمل المجيدين الذين تعبوا وسهروا عليه، حتى يكادوا يخرجونهم من المشهد، لا لشيئ إلا تكريسا لحب الظهور، واستمراء للقيادة الزائفة التي يعتقدونها في أنفسهم، دون مراعاة لحقوق الآخرين، ثم الترويج لأنفسهم عبر الوسائط المختلفة، لبناء صورة ذهنية كاذبة لدى المتابعين، وأود أن أذكرهم بقوله تعالى في الآية 188من سورة آل عمران: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم} صدق الله العظيم.

بقي موقف تعليمي أخير أود أن أذكره لحضراتكم، فقد كنت كلما رأيت قائدنا وقدوتنا المرحوم/ عزيز بكير- وهو من هو كأحد الرواد المؤسسين للكشافة العربية، وكان من بين الأربعة الذين تم تعيينهم كقادة تدريب مساعدين لقائد تدريب جيلويل بارك على مستوى العالم، وهو أول مدرسة للتدريب في الكشافة العربية، ورغم ذلك التاريخ والمكانة، إلا أنني كلما رأيته في سني عمره الأخيرة كان لا يرتدي إلا وسام الشارة الخشبية ذو الحبتين، ولما سألته عن ذاك قال: كنت أرتدي الحبات الأربع كقائد تدريب، عندما كنت أعمل في مجال التدريب، أما الآن فإنني لا أعمل بالتدريب وفق سني وظروفي الصحية، فلم يعد لي أن أرتدي الحبات الأربع، وأكتفي فقط بوسام الغاب ذو الحبتين..

وهكذا كان قادتنا المحترمين الأجلاء المتنزهين الشرفاء، الذين أغنتهم الدنيا، واستغنوا هم عنها، فكانوا ملء السمع والبصر.. الذين حفروا مكانتهم بعملهم وليس تسلقا على أكتاف الآخرين أو بمظاهر كاذبة، ولازلنا نذكر مواقفهم ونحكي لأبنائنا عنهم وعنها، هؤلاء القادة صنعوا جوهر الحبات، أما اليوم في كثير ممن نراهم من القيادات يحملون حبات بلا جوهر.