متعة التخييم في رمضان، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

متعة التخييم في رمضان، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

لاشك أن التخييم في حياة الخلاء متعة في حد ذاته، فهو انطلاق نحو الطبيعة الخلابة بكل مكوناتها، وتخلص من آفات المدن وعمرانها، وتلوثها وضجيجها، ومعاناة ازدحامها وصلابة مكوناتها، ففي كل مكان ينكسر النظر على علبة خرسانية هنا وهناك تطاول عنان السماء، أو تقصر، تحد البصر من أن يمتد إلى الأفق، وتمنع الطير السباح في انطلاقه، فتراه يناور بين البنايات كطائرة الريبوت في لعبة البلي ستيشن.

وكنا دوما نقول لأبنائنا في الكشافة إن من فوائد التخييم تلك الرابطة القوية التي تنشأ بين الفرد وخالقه من خلال تأمله في مكونات الطبيعة، فيدرك الفرد مدى عظمة الخالق، ويسجد لتجلياته، فمن منكم استطاع أن يتمعن في نجوم السماء وبدت له تلك المظلة السحرية بنجومها المتلألأة إلا في مكان مفتوح في الخلاء؟؟، فمن منكم استطاب له الاستمتاع بنسمة عليلة إلا في الخلاء؟؟، ومن منكم عاد بنفسه إلى سكينتها وطبيعتها الفطرية إلا في الخلاء؟؟، ومن منكم جمع بين طرفي الأرض والسماء بنظرة إلا في الخلاء؟؟، وكما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: أن من أعظم الإيمان رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه بالبكاء.

كثير ممن عرفتهم من القادة كانوا يستهجنون أن يضعوا في خططهم الكشفية أي نشاط يوافق رمضان، فيتحاشون ذلك على اعتبار أن الكشافين ليس لديهم القدرة على مواصلة أنشطتهم وهم صائمون، وكنت أخالفهم الرأي؛ فلو جربوا لذاقوا لذة الصيام في الخلاء!!!.

إن الصيام فرصة عظيمة لتهذيب النفوس، وتعويدها على الطاعة والانضباط، فما أجمل أن نرى أبناءنا يتعاونون في عمل شيء في المخيم كالخدمة العامة وهم صائمون، فلا تشاحن ولا تنافر؛ بل تعاضد وتآلف، وخفض جانب كل واحد منهم للآخر، تراهم في صلاتهم صفا واحدا لا يتخلف منهم أحد، وإذا اجتمعوا للطعام تقاسموا اللقم بينهم، وعاشوا على الكفاف لا إسراف ولا تبذير في الطعام بل مقنن ثابت لكل منهم.

وإذا جن عليهم الليل وأسدل أستاره، انطلقوا إلى أسمارهم التي تأخذ طابعا إنشاديا يحث على القيم الروحية والوطنية، وإذا خلا كل منهم إلى نفسه في خيمته حاول أن يعلق ناظريه من باب خيمته في السماء، داعيا المولى عز وجل أن يتقبل صيامه ويغفر له، وتأخذه نظراته في رحلة إيمانية شديدة الروحانية نحو الخالق، وطلاقة قدرته في هذا الكون، فهو مالك الملك، وله عرش السماوات والأرض.

قديما قال العربي البدوي: البعر يدل على البعير والأثر يدل على المسير، أفلا تدل سماوات ذات أبراج، وأرض ذات فجاج على العلي القدير؟ فقد أدرك هذا البدوي بفطرته التي تربى عليها في الخلاء قدرة الخالق، واهتدى بدلائل قدرته إليه سبحانه فعرف أنه المعبود لا سواه، وأنه الخالق لا عداه، فتبارك الله في هذه الروح الشفافة التي وهبها الله للإنسان وهو يعيش في الخلاء، فهلا جربتم يوما التخييم في الخلاء وأنتم صائمون؟ لتستحضروا تلك المعاني الروحية العظيمة؟.