الكشفية بين نمطية التدريب ونمطية المدربين، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

الكشفية بين نمطية التدريب ونمطية المدربين، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

الكشفية بين نمطية التدريب ونمطية المدربين
 بقلم/ هشام عبد السلام موسى

 

حوار لطيف قضيته بالأمس بصحبة واحد من الأبناء القادة الشباب، تحدثنا فيه عن هموم الكشفية وبعض من مشكلاتها، وامتد الحديث إلى وقت متأخر من الليل، ثم قضيت الليل بعدها أفكر في تلك الخواطر التي حلقنا حولها، إلا أنه لفت نظري جانبا مهما يرتبط بعملية التأهيل القيادي الكشفي الذي يتم حاليا في أكثر من بلد، ويتمثل ذلك في جانبين هامين أولهما نمطية التدريب، وثانيهما نمطية المدربين، وأصبح الصبح وأنا أخط تلك الخواطر وأجتر جانبا من هذا الحديث.

قال لي القائد الشاب: إنني نشأت منذ نعومة أظفاري في الكشفية وتدرجت فيها شبلا وحتى الآن، وأعيش بقيمها ومبادئها، إلا أن الكثيرين ممن كانوا بعدي بمراحل قد تجاوزوني الآن في رتبتهم القيادية وأصبحوا مساعدي قادة تدريب وقادة تدريب؛ رغم أن مهاراتي وكفاءتي وخبرتي تفوقهم بمراحل، إلا أن الظروف قد خدمتهم بشكل أو بآخر حتى تقدموا، وبالمقابل حالد ظروفي دون ذلك؛ نتيجة أن القادة المسئولين عن التدريب في جمعيتي لم يقدروا ظروفي العملية التي كانت تتيح لي حضور أربعة أيام فقط من الدراسة وتلك الأيام هي التي كنت أستطيع التفرغ فيها من العمل، وتكون مدة الدراسة ستة أيام على سبيل المثال، وأنا أشعر أن حقي الطبيعي أن أحمل ثلاث أو أربع حبات.

قلت للقائد الشاب: الموضوع له عدة جوانب يجب أن نتفق سويا على فهمها، أولها أن الحبات الثلاث أو الأربع لا تحدد على الإطلاق مكانة القائد من حيث تمكنه وأصالته الكشفية، وضربت له مثالا بالمرحوم القائد الدكتور مالك جبر الذي كان يعمل نائبا للسكرتير العام للمنظمة الكشفية العالمية لأكثر من ثلاثين عاما (1968-2005)، وهو واضع الدستور الكشفي العالمي الحالي وكان رئيسا للجنة الدساتير بالمكتب العالمي، وكان رئيسا لمجموعة الطرق التربوية التي كانت تضم إدارات التدريب وفيها فيليب بوجيليه الفرنسي، وإدارة تنمية المجتمع وفيها عبد اللاي سار النيجيري، وإدارة البرامج وفيها جيم شارب الإنجليزي، وإدارة العلاقات والإعلام وفيها مارك كلايتون.. كل هؤلاء الكبار كان يرأسهم مالك جبر ولم يكن يحمل حتى الشارة الخشبية.. فيا عزيزي القائد: التأهيل في الكشفية ليس بغرض التأهيل، ولكن بغرض القيام بالدور، فإن كنت قائدا لفرقة كشفية وهذا دورك فمن حقك الحصول على الشارة الخشبية، وإن تم اعتمادك وتكليفك بمهام التدريب في جمعيتك كمساعد لمفوض التدريب فمن حقك التأهيل لمستوى مساعد قائد تدريب، وإن أصبحت مكلفا بالتدريب في جمعيتك، فمن حقك أن تؤهل لمستوى قائد تدريب، أما ما يحدث الآن من أغلب القيادات للسعي وراء الحبات دون دور حقيقي لهم في التدريب، وما يحدث من كثير من الجمعيات في الإفراط في عقد دورات تدريبية لمساعدي قادة تدريب وقادة تدريب دون حاجة حقيقية لتسكين هذه القيادات في مهام تدريبية فهذا العبث بعينه، أو تأهيل قيادات لمستوى الشارة الخشبية دون أن يكون لديهم فرقا في الواقع، وهذا ما أنتج لنا قيادات أكثر من الكشافين، وكما يقولون: أصبح لدينا ظباطا كثر وليس لدينا عساكر!!.

كما ذكرت له مثالا آخر بقائدنا الكبير المرحوم عزيز بكير الذي يعتبر أبو التدريب في المنطقة العربية، وواحدا من أربعة من بين من عينوا كمساعد لقائد تدريب جيلويل بارك، إلا أنني وجته في سني عمره الأخيرة لا يرتدي إلا الحبتين المخصصتين للشارة الخشبية فلما سألته لم لا تضع الحبات الأربع وأنت من أنت في التدريب؟ قال بكل تواضع: كنت أضعها عندما كنت أعمل مدربا وأنا الآن لا أشتغل بالتدريب، فالحبات ليست وساما شرفيا بقدر ما هي دلالة على الدور الذي أقوم به.

هذا أولا، أما ثانيا: فالسياسة العالمية للتدريب أو كما يسمونها الآن السياسة العالمية لتنمية القيادات تقر بأهمية المرونة في التدريب، ومراعاة ظروف المدرب والمتدرب، ولو أردنا تطبيق هذا على حالتك أيها القائد الشاب، فكان من المفترض من مسئول التدريب الذي تتبع له أن يتفهم ظروفك، ويقبل منك الأيام الأربعة، على أن تستكمل باقي التدريب في شكل تدريب غير رسمي وأمسيات، طالما هو في حاجة لك كمدرب، ولا نشك في صدق نواياك، ولا في مهاراتك وخبرتك على الإطلاق.

قال القائد الشاب: هل يعجبك الدورات التدريبية التي تقام الآن؟ وما ملاحظاتك عليها؟، قلت: هذا أمر يتشعب فيه الحديث بين نمطية التدريب ونمطية المدربين، فللأسف ما ألاحظه أن المحتويات التدريبية للدورات التدريبية المختلفة لم يجر عليها أي تطوير منذ الثمانينات أي لأكثر من ثلاثين عاما، رغم تطور علوم التدريب ومحتويات التدريب، ورغم تغير احتياجات الأفراد التدريبية، ورغم ذلك بقيت المحتويات التدريبية هي هي دون تغيير، الأمر الذي يجعلنا في حاجة ماسة لإعادة النظر فيها، وأذكر أنني منذ عام دعيت لأشارك ضمن هيئة تدريب في ثلاث دراسات للشارة الخشبية كان يعدها اتحاد كشاف لبنان للمراحل المختلفة وفي توقيت واحد عقدت في بلدة سير الضنية بالشمال اللبناني بتنظيم من جمعية الكشاف العربي، وسعدت جدا بتجربتهم لإحداث تغيير في بعض المحتويات التدريبية وفق احتياجات الدارسين ومقتضيات التطوير، إلا أنهم ووجهوا بانتقادات من بعد القيادات التقليدية، إلا أنني وجدت أن ما أحدثوه من تغيير في موضعه وشجعتهم عليه، فيا عزيزي نحن في حاجة إلى مثل هكذا مبادرات في كافة المستويات التدريبية، ونحن في حاجة أيضا إلى تغيير الأساليب والطرق التدريبية لتصبح أكثر ملاءمة ومواكبة للعصر، وهذا لن يضعف الكشفية بل يزيدها ألقا وتقدما.

وهناك طرف آخر في هذه المشكلة هم القادة المدربون النمطيون، الذين كل مهاراتهم أصبحت نقل ما في الكتب وتحويله إلى أشكال مدورات ومربعات وملونات باستخدام تقنيات الحاسوب والبور بوينت، فيدخلون إلى جلساتهم التدريبية لا يملكون من المعرفة أو المهارة أو السلوك إلا ما يحتويه العرض الذي أعدوه لتلك الجلسة التي يديرونها، وعندما ينتهي من جلسته يحمد الله أنها تمت على خير، ويخرج منها معتقدا أن ما قام به هو التدريب بعينه، وحبذا لو اختتمت جلسته بتصفيق المتدربين!!!.

إن المدرب الجيد هو المدرب المجدد ذو الخلفية الجيدة، والذي يعد لجلسته جيدا، والذي يراعي مقام المتحدث إليهم، وأذكر أن أستاذنا المرحوم القائد فوزي فرغلي الأمين العام السابق للمنظمة الكشفية العربية – وقد عملت معه لسنوات طويلة- والذي كان يعتبر من المدربية المتميزين جدا في أدائهم التدريبي، كنت أشاهده وهو يعد لجلسة تدريبية يدعى لها فيكون مثل الطالب الذي سيدخل امتحانا، يجمع أدواته، ويراجع الكتب، ويسجل الملاحظات، ويعود للوثائق، وسألته يوما: ما أكثر ما يقلقك وأنت تعد لأي جلسة تدريبية؟ فقال: المدخل للجلسة.. كيف سأبدأ الحديث في الموضوع، ولكثرة عملي وعشرتي له، كنت أجده يعطي الموضوع الواحد في أكثر من دراسة، لكنه في كل مرة أسمعه منه بشكل مختلف كأني أسمعه لأول مرة. هكذا التدريب يا عزيزي كما يجب أن يكون.

كما أذكر من الكلمات المأثورة للقائد الكبير الأستاذ/ صابر حسنين مدير البرامج الأسبق في الإقليم العربي، وهو من حكام كرة السلة المعتمدين عالميا، قال: إن حكام كرة السلة المسجلين في الاتحاد الدولي لكرة السلة بالآلاف على مستوى دول العالم، ولكن كم واحد منهم يستطيع أن يمسك بالصافرة ويحكم مباراة دولية؟؟!!!، هكذا المدربين في الكشفية أصبح حملة الحبات الثلاث والأربع عثاء كغثاء السيل، ولكن كم واحدا منهم يعتمد عليه كمدرب يشار إليه بالبنان..

ولما ضعف مستوى مساعدي قادة التدريب وقادة التدريب، بالتالي ضعف مستوى المتدربين على أيديهم، ودورة وراء دورة ودراسة وراء دراسة إزداد الضعف، وازداد الهزال، ووصلنا إلى ما نحن فيه ما بين نمطية التدريب ونمطية القادة المدربين، ونحن الآن في حاجة ماسة لإعادة بناء التدريب لإعادة إنتاج المجيدين للكشفية.