قصة منديل الشارة الخشبية، بقلم/ هشام عبد السلام موسى

قصة منديل الشارة الخشبية، بقلم/ هشام عبد السلام موسى


يعد منديل الشارة الخشبية من الرموز الكشفية التي أصبح متعارفا عليها في جميع أنحاء العالم، وفي الحقيقة أن لهذا المنديل العديد من الدلالات ولنشأته قصة طريفة، كما أنه يتدرج إلى ثلاث رتب يتصعد خلالها القائد الكشفي من واحدة إلى الأخرى، فتعالوا معي أيها القادة لنتعرف على حكاية منديل الشارة الخشبية.

ففي عام 1919م عندما بدأت الحركة الكشفية آخذة في الانتشار، تولدت الحاجة إلى تدريب عدد من القيادات يتولون مسئولية قيادة الحركة، فعقد بادن باول دورة تدريبية لعدد من القيادات في هذا العام في مخيم جيلويل بارك بإنجلترا، والذي أصبح منذ ذلك التاريخ أول مركز لتدريب القيادات الكشفية في العالم، وفي ختام الدورة التدريبية أراد بادن باول أن يمنح القادة المتدربين رمزا أو شارة أو وساما يميزهم عن غيرهم من القادة الذين لم يحضرو تلك الدورة التدريبية، فابتكر لذلك ما أطلق عليه في حينه وسام الغاب الذي عرف فيما بعد بوسام الشارة الخشبية.

وقد اختار بادن باول هذا الوسام بحيث يكون له دلالات من مواقف مرت به خلال تجربته الطويلة ورحلاته في كل من الهند وأفريقيا وأوروبا. فابتكر الوسام المكون من ثلاثة أجزاء هي: المنديل، والشارة، وعقدة المنديل، ولكل جزء منها رمزا ودلالة في حياة بادن باول يرتبط بالبدايات الأولى التي بلورت في ذهنه فكرة الحركة الكشفية.

فالوسام المكون من خيط من الجلد الأسود معقودا في نهايته حبتان من خشب البامبو أو كما يسميه البعض الخيزران، نجد أن بادن باول قد أخذ هذا الرمز من أفريقيا وتحديدا من إحدى قبائل الزولو، حيث نزل باول في أراضيهم واضطرته الظروف العسكرية أن يدافع عن قراهم ضد هجمات الهولنديين، فأراد زعيم القبيلة أن يكرمه فأهدى له حبلا من الجلد الأسود معقودا به حبات من الخيزران وعلقها في رقبته تقديرا له وعرفانا بفروسيته، وقد كان من عادات تلك القبائل إذا بلغ الفتى فيهم مبلغ الشباب أطلقوه في الغابات وحيدا دون مؤونة ليعيش ما يقرب من ثلاث سنوات؛ فإذا عاد بعدها إلى القبيلة سالما معافى؛ فيعني ذلك أنه استطاع أن يتغلب على عناصر الطبيعة في الغابة من وحوش كاسرة وعوامل بيئية صعبة، وأصبح جديرا بالحياة، وعندها يستقبله زعيم القبيلة وأفرادها بالترحاب، وتجرى له مراسم ما يعرف بحفل التنصيب، التي يعلن فيها أنه أصبح رجلا مكتمل الرجولة، ويصبح من حقه أن يختار أي فتاة في القبيلة لتصبح زوجة له، ومن هذه الحادثة أخذ بادن باول فكرة وسام الشارة والذي أطلق عليه في حينها وسام الغاب، على اعتبار أن القيادات التي تم تدريبها في تلك الدورة التدريبية قد اجتازوا مهارات التعايش في الخلاء الذي هو ملعب الكشاف وساحة نشاطه، وأصبح يعتمد عليهم في قيادة غيرهم من الشباب.

أما منديل الشارة، وهو عبارة عن شكل المنديل الكشفي العادي المتعارف عليه، غير أن له لونا ورديا مميزا اختاره بادن باول بنفسه، وهو يصنع من الصوف الخالص، أو القطن الخالص، ومثبت في زاويته السفلية مستطيلا من القماش عبارة عن نسيج مخطط، وهذه النوعية من القماش هي المستخدمة في صناعة الإذار (التنورة) الاسكتلندية التي هى جزء من زيهم التقليدي، والتي تتشابه في عموم شكلها لكن لكل منطقة نسيج مميز من حيث تقاطع الخطوط المكونة لهذا النسيج، وقد اختار بادن باول شكل النسيج الخاص بالمنطقة التي أقيم بها أول معسكر تدريبي تقديرا منه إلى أهل تلك المنطقة الذين تبرعوا بموقع المخيم (جيلويل بارك)، وعندما كرمت ملكة بريطانيا بادن باول ومنحته لقب لورد فأطلق عليه: لورد أوف جيلويل بارك، ثم تبرع بادن باول بتلك الأرض لتصبح أول مركز تدريب للكشافة العالمية، ومن يومها احتكر مركز تدريب جيلويل بارك صناعة الوسام والمنديل الذي يحمل رمزهم، وأصبح جميع الحاصلين على وسام الشارة الخشبية يتقلدون هذا المنديل المصنوع هناك.

أما عقدة المنديل فقد ابتكرها بادن باول لتكون رباطا للمنديل الكشفي وهي عبارة عن خيط سميك من الجلد معقودا بطريقة متداخلة تظهر فنا من فنون العقد التي يستخدمها البحارة في مراكبهم. وقد أصبحت هذه العقدة رمزا كشفيا فيما بعد وعلامة على وحدة الحركة.

هذا ما يتعلق بالوسام والمنديل والعقدة أما ما يتعلق بدرجات هذا الوسام فهو على ثلاث درجات هي: الوسام ذو الحبتين، وذو الثلاث حبات، وذو الأربع حبات وهو أعلاها. فعندما أراد بادن باول أن يدرب مجموعة أخرى من القيادات لتصبح قادة للقادة أى أن يعدهم لا لقيادة الفرق الكشفية ولكن لتدريب القادة، فما كان منه إلا أن أخذ نخبة من القيادات التي سبق منحهم وسام الشارة الخشبية ليضمهم إلى دورة تدريبية أخرى للشارة وبنفس المنهج التدريبي أى أن يعيد لهم التدريب، وفي نهايته منح كل واحد منهم حبة أخرى يضيفها إلى وسام الشارة ليصبح لديه ثلاث حبات.

وبعد فترة عين بادن باول أحد هؤلاء القادة ليكون قائدا لمركز تدريب جيلويل بارك ويصبح من صلاحياته منح هذا الوسام للمتدربين، فكان قادة الكشافة يتوافدون على مركز تدريب جيلويل من جميع أنحاء العالم ليتدربوا ويحصلوا على وسام الشارة الخشبية من هناك، وبالطبع كان من بينهم عددا لابأس به من منطقتنا العربية.

وبعد أن اتسعت رقعة الحركة الكشفية في العالم وتزايدت أعدات المتدربين لم يعد في إمكان مركز جيلويل بارك أن يفي بهذا الغرض لوحده؛ فضلا عن التكاليف الباهظة التي يتكبدها المتدرب للسفر والإقامة وغير ذلك، وحلا لهذه المشكلة تم تعيين أربعة من القادة الذين تم تدريبهم في جيلويل وأثبتوا كفاءة عالية ليكونوا مساعدين لقائد تدريب جيلويل، ويمثلون أقاليم مختلفة من العالم، وتكون مهمة كل واحد منهم أن يكون مفوضا من قبل قائد تدريب جيلويل في عقد دراسات الشارة الخشبية في الإقليم التابع له، وأن يجيز القيادات للحصول على وسام الشارة.

ومما يذكر أن المرحوم القائد / عزيز بكير –من مصر كان أحد هؤلاء الأربعة، فكان أغلب القيادات العربية الموجودة في الصف الأول الآن ومن سلفهم قد تتلمذوا على يديه، وكان كل من يريد أن يحصل على الشارة لا يمر بها إلا من مدرسته التدريبية، فكان بحق معهدا للتدريب وموسوعة في مجاله، ولازال كبار القادة يذكرونه بمواقفه التعليمية الفذة.

وفي عام 1969م ومع تطور آخر للحركة الكشفية؛ أصبح قائد تدريب جيلويل والأربعة من معاونيه غير كافين للقيام بمهمة التدريب في الوقت الذى أصبح فيه يتوفر عدد من القيادات المؤهلة في كل دولة، فعقد في هذا العام المؤتمر الكشفي العالمي في هلسنكي، وكان من بين توصياته التاريخية الهامة، ما عرف بلا مركزية التدريب أي أن يصبح لكل دولة قائد تدريب دولي معترف به (أربع حبات) ويكون من صلاحياته إقامة دورات الشارة الخشبية ومنحها للمتدربين.
ولكن ظلت صناعة منديل الشارة عملية مركزية تسيطر عليها المنظمة الكشفية العالمية، حيث تطلب منها الجمعيات الأعداد التي تحتاجها سنويا، حيث يعد بيع منديل الشارة الآن أحد موارد تمويل المنظمة العالمية.