من عام إلى عام ..

من عام إلى عام ..

هناك على أبواب القدس , في أول جمعةٍ من شَهر رمضان المبارك , ومثل كل عام تجهز طاقم مشروع خدمة الصائمين بالمسجد الأقصى  بجهازهم لخدمة المصلين في المسجد الأقصى المبارك , ولكن تيارات وعواصف الإحتلال عن اليمين وعن الشمال لم تسمح لأي أحد بدخول الحرم وكان التشديد أشبه بتكبيل المعتقلين على الأبواب تمنعهم من الذهاب إلى حلمهم لتحقيق أسمى غاياتهم وهي وصولهم للمسجد الأقصى الذي لا يدخلونه إلا من رحلة عام إلى عام .

 هكذا مرت أول جمعة ولم يتم خدمة المصلين آن ذاك , ومع ذلك فإنه لم يكن هناك عدد كبير من المصلين , وأمسى المسجد الأقصى باكياً ناحباً على أحبابه خارج السور العظيم .. مكبلاً بقيود الذل والهوان, وبعد منتصف الليل نامت القدس  هادئة بعد كمية هائلة من الحجارة وقنابل الغاز والصوت وتخريب وتدمير واعتقال سنابل فلسطين .

ورغم ذلك كانت خطة مفوضية الكشافة ومرشدات محافظة القدس وجمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية , لمشروع خدمة الصائمين بالمسجد الأقصى المبارك , حيث عملوا بكل ما أوتوا  من قوة بكل عزم وهمة , ملبين نداء وطنهم , نداء الكشافة والمرشدات الذي قطعه كل واحد منهم على نفسه ,  ولا أنسى نهائياً الفتيات كن قائدات أو مرشدات أو منجدات حيث تخطوا الصعاب من حواجز جيش الاحتلال وطرق وعرة هنا وهناك كي يصلوا لذلك المبتغى حيث خططوا وقسموا لراحة المصليات, رغم أن جنود الإحتلال منعت كثيرا من أبناء بيت المقدس والإسعاف والكشاف خاصةً من الدخول , برغمٍ من  الإذن الأمني الحاصلين عليه .

وأدلي بالذكر مرشدات من مفوضية الخليل ونابلس التي اجتازت كل واحدة منهن على الاقل خمسة عشر حاجزاً غير حواجز بيت المقدس .. وخدمن كأنهن بنات بيت المقدس وأكثر , حيث عاملن المصليات كأمهات وأخوات وبناتٍ أيضاً .

  في الثالث عشر من الشهر الكريم هي بالنسبة للطاقم يوم سعدهم أي نعم لم يتم إصدار تصاريح لهم جميعاً ولكن كانوا متفائلين شادين الرحال إلى أولى القبلتين وقلبهم مُلِأ بالعطاء الذي يريدون تقديمه كــسلة زهور للمصلين الصائمين , الذين هم أشبه برياحين ... رياحين ؟ .. نعم رياحين الجنة.

ومضى نهار كامل على مساعدة مسنين ومسعفين بنقل هذا وذاك .. وإرشاد الأطفال وغيرهم.

الليلة الثامنة عشر من يوليو أي الليلة العشرين من رمضان لليلة كانت أشبه بالنهار من صواريخ العدوان على غزة وقنابل ومضيئات تتناثر في سماء فلسطين .. بزغ الصباح وخرجت الشمس راكضة عاصبة الجبين .. جلست واتكأت على غيمة خفيفة .

وانتظم الكشاف بأكملهم كجيش من النحل ؛ ليجمعوا أكبر عدد من رحيق المسجد الأقصى ولكن فئة كبيرة من الجوالة والمنجدات لم يتسن لهم الهروب والنفاذ إليه، حيث تكسرت أجنحتهم وعادوا يائسين إلى بيوتهم ولكن!  .. في قلبهم صخرة كبيرة من العزم حيث أنهم يعلمون أن ما بقي منهم هناك قادرين على أن يوفوا بعهد الكشاف جميعا على أكمل وجه , لأن الإيمان قد ملأ قلوبهم وانغرس في شرايينهم وأصبح جزءً من دمهم .

وأتمت فئة من كشاف فلسطين من قادة وجوالة ومنجدات ومرشدات وكشافة أيضاً عملهم ، وبعد أن غلبهم التعب آخر النهار، و بعد أذان العصر حيث استقامت صفوف الصلاة صلوا جماعة فمنهم من أتم ما بدأه في ذلك الصباح ومنهم من عاد إلى بيته ليتم آخر يومه مع أُسرته , بعد أن قدم كل طاقته لأهله في القدس.

وفي يوم السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك ذهبت بعض عضوات اللجنة الارشادية في القدس المتألفة من تسنيم برق , إستبرق جاموس . وعبير مشعل , وأماني وهبة شيحة , وجنان براغيثي , وميسون عريقات و راية سنقرط  بقيادة القائدة أريج فراح المفوضة الإرشادية في القدس،  والجوال علي جاموس بالإضافة الى إثنين من منتسبي مفوضية نابلس وهم: عبد الله شتية, وسماح عمارنة  لمشفى المقاصد للإطمئنان على أهلنا من غزة المتداوين في هذا المستشفى .

قال الله جل جلاله : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)

نعم ليلة ولكن جعل الله فيها بلاغة وإعجاز من القرآن الكريم حيث وضع صيغة المبالغة في (ألف شهر) وبما أنها بألف شهر يجب أن يقيمها المسلمين بكل تفاصيلها , لا يتركون ثانية ولا دقيقة ولا ساعة تذهب هنا وهناك ، يقومون الليل ويذكرون الله ويقرئون القرآن.

ومن واجبنا نحن الكشاف خدمة كل أولئك المصلين في الحرم المقدسي , هذه الليلة بالذات كان عدد كبير من جيش الكشاف المقدام كأنهم أسود الغاب , لديهم طاقة متفجرة داخلهم يريدون إخراجها بأي وسيلة لخدمة ذاك الحرم ومصليه, ومضت الليلة مع صلاة التهجد ولم يهدأ الإحتلال ولا المقاومون من شباب فلسطين , حتى انتهت الليلة بذهاب عدد كبير من المصلين إلى بيوتهم دون إتمام صلاتهم.

في الجمعة اليتيمة .. الجمعة الاخيرة بالشهر الحزين .. الذي لم نستقبله استقبال الضيف الكريم  أتى وذهب بسرعة , دون أن ننتبه  له , حيث خدم عدد قليل من الكشاف في تلك  الجمعة  لعدم تمكن أعداد كبيرة من المصلين او حتى من الكشافة والمرشدات من الدخول للأقصى, وعاد الحرم باكياً في آخر جمعة ينتظر العام القادم لعودة المصلين وتمكنهم من الوصول إليه.

هذا هو ما يريده مشروع خدمة الصائمين بالمسجد الاقصى كل رمضان ؛ وهو خدمة الصائمين  في المسجد الاقصى المبارك ومساعدتهم من حيث ارشادهم وتوعيتهم ومساعدة الشاب والمسن والطفل ايضاً, كانوا نساءً او رجالاً فالرجال هناك قادة وجوالة  وكشاف وأشبال أيضا و النساء هناك قائدات ومنجدات ومرشدات وزهرات يخدمن بكل حب , فصفات الكشاف , خدوم معطاء و خلوقٌ ايضا , ويجب أن يكون مثل  شجرة طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء  , تؤتي أُكلها كل حين ,  لها ثمر وظل ومتكأ لمن يريد الراحة هكذا علمنا قادتنا : يربون جيلاً يحرص على الموت حرص العدو على الحياة , يعشق الشهادة على ما مات عليه القادة ... فبهذا الجيل ننتصر

وفي الختام : قال جل جلاله " {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}"

اللهم يا رب القدس ويا رب فلسطين أعد علينا رمضان العام القادم وهو محرر بإذن الله

اللهم أدم فلسطين واحمها برحمتك يا ارحم الراحمين.

إبنة فلسطين : المنجدة إستبرق جاموس